×

الطريقة الغزوانية للوصول إلى السلطة

سلك الرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني طريقا دراسيا ومهنيا، قاده – فى نهاية المطاف – إلى كرسي الرئاسة فى موريتانيا. ذلك المسار – أي مسار شخص الرئيس – هو المقصود هنا بالطريقة الغزوانية.

“إن للدهر، إن تأملت صرفًا .. يكسب المرء، حكمة واعتبارا”

نتأمل قليلا فى صروف الدهر والسياسة مع إبراهيم ولد الشيخ سيديا، نغوص فى المحيط الهادي مع الغواصة الروسية، نبحث مع اللجنة البرلمانية عن جوهرة مفقودة أو قطعة من الماس فى تاريخ ولد عبد العزيز.

 نلعب كلومار مع الرأي العام، والكوريدا مع الثيران، ومع الأسد فى الغابة. ندخل الكوليزى والسيرك، مع أصحاب الطبول والمزامير. ونتجول فى شوارع نواكشوط مع آلمودات. نجرب لعبة الحروف والأرقام بالانقلابات والانتخابات مع حبيب ولد محفوظ، ونشارك محمد يحظيه ولد ابريد الليل فى قتل الساحرة الشريرة. نبحث عن سر الحرف فى مياه سيدي حرازم، وكبريت الكاريزما، ومتلازمة اللون الأحمر، ونحكم مع الخليل النحوي على عقدة العهد بين عزيز وغزواني، وندرس عقدة القائد من السيد وفق فيكتور هيكو؛ فى القيادة والحكم.

نشارك زعماء المعارضة فى الهتاف برحيل العسكر، أيام الربيع العربي.

نركب البحر، نتنور ضوء الموانئ البعيدة، نتطلع إلى رؤية بلقيس تغطي ساقيها بالملحفة، ونغترب فى النُّوارة، لنسمع كرمي بنت آب تُرَقص مولودا جديدا، بألحانها العذبة : “حانيناك.. حانيناك”

“افْمَعالي لُمورْ .. بوك الخلاَّك احذاك .. امشِ مشْيو والدَّور .. ابعَّد ذاك امعاك.”

1 الخارطة

يتضمن العنوان خدعة صحفية، لا تنطلي على القارئ المتمعن؛ لأن الدلالة الصوفية التي تقفز إلى الذهن – فى الوهلة الأولى – لعبارة  “الطريقة الغزوانية”، ليست هي المقصودة بالعنوان.

نعم، لا ننكر أن التاريخ الإسلامي فى موريتانيا حافل بالإنجازات الثقافية والعلمية التي تستند إلى أسس صوفية كالقادرية، والشاذلية، والنقشبندية، والتيجانية، والصديقية. وينتمي فرع الغظفية عند أسرة أهل الغزواني فى موريتانيا، إلى الطريقة الشاذلية؛ نسبة إلى مؤسسها أبي الحسن الشاذلي. وتلك قصة أخرى طويلة، وليست هي الموضوع.

المقال مقال رأي، يسعى إلى رسم خارطة سياسية مختصرة للعاصمة الموريتانية نواكشوط، بقلم الرصاص، فى الفترة ما بين 1978 – 2020.

خارطة بالأبيض والأسود، ترسم المعالم الكبيرة للشأن السياسي العام فى موريتانيا، مع استخدام قليل من الألوان – ألوان الثقافة والمجتمع – من أجل وضوح الصورة.

 خارطة بأسلوب حر، لا يبالي بالطول ولا بالقصر، ولا يلتزم الكاتب فيه بالقيود التقليدية للكتابة، كدقة المعلومة، أو المنهج العلمي للتحليل، خاصة فى حال تعارضها مع الوضوح فى التعبير عن الرأي.

المعلومات التي يتطلبها المنهج العِلمي، غير متوفرة بما فيه الكفاية. كما أن المجهود الفكري المطلوب للتحليل المنطقي، يتجاوز أحيانا طاقة الفرد.

2 – السلاح

ننظر إلى الطريقة الغزوانية فى الوصول إلى السلطة فى موريتانيا، بالمقارنة مع الطرق الأخرى التي وصل بها الرؤساء الذين تعاقبوا على كرسي الرئاسة، منذ انقلاب 78 على النظام المدني المؤسس، بعد الاستقلال 1960، إلى اليوم.

هنالك تشابه كبير بين الطريقة العزيزية والطريقة الهيدالية المتعارضتين – من حيث الأسلوب – مع الطريقة الغزوانية التي لا تختلف كثيرا عن الطريقة الطائعية.

لا نتعرض هنا للطريقة التي وصل بها الرئيسان سيدي ولد الشيخ عبد الله والراحل اعلى ولد محمد فال، رغم كونهما يتقاسمان أمرا مهما، هو أنهما غادرا كرسي الرئاسة – وإن بشكل متفاوت – بملء إرادتهما، كما أن فترة حكميهما كانت فترة انتقالية محدودة. هذا بالإضافة لكونهما، إلى المدرسة الغزوانية أقرب؛ إذ يتقاسم ولد الشيخ عبد الله مع ولد الغزواني بُعد التصوف، بينما يشترك ولد الطايع مع ولد محمد فال – فى درايتهما وتأثرهما بأساليب الحكم فى المجتمع الغربي، إضافة إلى خلفيتهما العسكرية.

ويشترك ولد عبد العزيز وولد محمد فال مع ولد الشيخ عبد الله فى مغادرة الحكم بشكل طوعي؛ وإن كانت أحاديث المأمورية الثالثة، والبطاقة البيضاء، واتفاق داكار، نقصت من تلك الطوعية فى التنازل عن الحكم، خاصة بالنسبة لولد الشيخ عبد الله، إذ غادر تحت تهديد السلاح.

3 – اللعبة

ما نريد قوله باختصار، هو أن موريتانيا يحكمها الجيش، والقادة العسكريون مسؤولون عن كل شيء يحدث فى السياسة، منذ حرب الصحراء 1976 – فى آخر عهد ولد داداه – إلى اليوم؛ يكتبون السيناريوهات من داخل الثكنات، ويقررون طريقة إخراج اللعبة. وعندما يتعاونون مع ظهير مدني، ويسمونه الجناح المدني، يأخذونه – فى الغالب – من رحم الأجهزة الاستخبارية العاملة فى دوائر الحركات السياسية، من شتى المشارب الفكرية، دون تمييز؛ فهؤلاء – فى النهاية – جزء من المؤسسة العسكرية، سواء ارتدوا البذلة، أم خلعوها.

يلعبون بالسياسة لعبة الشطرنج؛ وأحيانا يلعبونها – فى الغابة – مع الصياد، لعبة الثور الأبيض. ومرة يلعب أهل السياسة بقائدهم لعبة الكوريدا.

ويلعبون جميعهم مع الصحافة والإعلام، لعبة الاستخبارات الأمريكية بحق المواطن فى معرفة الحقيقة، لعبة كلومار Glomar بشان الغواصة النووية الروسية التي غرقت فى المحيط الهادئ، أيام الحرب الباردة.

4 – الأسد

كان الأسد يعيش فى الغابة مع ثلاثة ثيران أقوياء: ثور أبيض يُرى فى الليل من بعيد، وثور أسود يرى من بعيد فى النهار، والثالث لونه أحمر لا يجلب انتباه الصياد، مثل لون الأسد.

وكان الأسد لا يقوى على أكل أي من الثيران بمفرده، ما داموا ثلاثة، فتآمر مع الثورين الأسود والأحمر للقضاء على الثور الأبيض، ثم مع الأحمر على الأسود. وحين عرف الثور الأحمر أن دوره آت قال : “لقد مت يوم مات الثور الأبيض”.

كان الثور الأبيض – أيام الفترة الانتقالية وحكم عزيز – هو أنصار ولد الطايع وأقاربه، إذ تعرض موظفوهم السامون ورجال أعمالهم، للظلم من قبل النظام، واتهموا أولا، بعمل تخريبي ضد الدستور، ثم بالتهرب الضريبي، لا لشيء، إلا لأنهم أقارب الرئيس.

وجاء دور أحمد ولد داداه 2007 (الثور الأسود)، حين خدعوه ببريق الانتخابات “الشفافة والنزيهة” بالاتفاق 2007، وعندما بقي الرئيس “المدني المنتخب” وحده فى الغابة (الثور الأحمر)، أصبح أمره هينا ومحسوما بانقلاب سلمي بسيط، يتم تشريعه بعد ذلك فى داكار، تحت ضغط السلاح و”الكتيبة البرلمانية”. كان بوسعه أن يقول فى خطاب الوداع بقصر المؤتمرات : “لقد مت يوم مات الثور الأبيض”.

ودفع المقربون من ولد الشيخ عبد الله، ثمن دعمهم له، وتمت تصفيتهم من الدوائر الحكومية بشكل ممنهج.

5 – الذنب

الثور الأبيض اليوم، هم هؤلاء المدنيون التعساء الذين كانوا يد ولد عبد العزيز التي يبطش بها فى السياسة، وها هم اليوم يُجرجرون أمام المحاكم، لا ذنب لهم إلا أنهم كانوا يتقنون المهمة التي كلفوا بها، وهي التصفيق، والتصفيق، ثم التصفيق للقائد، وجعله ربا يعبد.

لا ذنب لهم، إلا أن طبولهم كانت كبيرة، وأصواتها كانت تطرب القائد، دبغوا جلودها من المال العام. لكن الأمور تغيرت، وجاء قائد جديد، لا يحب أصوات طبول كانت قد شُبحت لغيره؛ فلديه أصحاب طبول جدد، جاهزون وطال انتظارهم للإشارة، كي يبدؤوا العزف والغناء فى الكوليزى والسيرك، على شرف القائد الجديد.

لا ذنب لهم، إلا أنهم كانوا يضغطون – بالأمس القريب – على الناخبين، باستخدام النفوذ والمال العام على المواطن البسيط، ينتزعون صوته لنواب الحزب الحاكم بأمر من الرئيس. وهؤلاء النواب الذين نجحوا بالضغط والتزوير، هم أنفسهم من يتولون اليوم إدانة أصحاب الطبول القديمة، بالخيانة والفساد. أصدقاء الأمس، أعداء اليوم.

إن للدهر إن تأملت صرفا ..

كان ولد ولد الغزواني قد أبقى عليهم إلى جانبه لبعض الوقت، ليطمئنهم ويفصلهم عن عزيز، ريثما يرتب الأمور المتعلقة بالأمن والسياسة، ليضربهم ضربة قاضية، ويأتي بآخرين… وهكذا دواليك، وفق قاعدة جاك برل : Au suivant, au suivant

6 – كلومار

 يضمن القانون الأميركي حق الإجابة للمواطن عن أي سؤال يطرحه على أي جهاز من أجهزة الدولة، بخصوص الشأن العام. وعندما غرقت غواصة نووية روسية فى المحيط الهادئ، أسس الأمريكيون شركة اسمها كلومار Glomar منحوها ترخيصا للبحث فى قاع المحيطات عن السفن الغارقة، وزودوها بالوسائل الكفيلة بالاستيلاء سرا على الغواصة الروسية، وعندما سئلت وكالة الاستخبارات عن صحة الأمر أجابت : “لا يمكن أن نؤكد، ولا أن ننفي، قصة كلومار مع الغواصة الروسية”، وصارت تلك الإجابة معروفة باسم كلومار، وصالحة لكل الأمور.

 “neither confirm nor deny” (NCND)

الرؤساء فى موريتانيا والزعماء السياسيون، يلعبون دائما بالرأي العام والإعلام لعبة كلومار، حتى أصبحت الأمور مختلطة، رغم ما يشاع من حرية فى الحصول على المعلومة؛ فعندما يُسألون عن أي ملف حساس؛ يجيبون بأنهم سوف يتصرفون وفق إرادة الشعب، أو حكم القضاء، أو المصلحة العليا للبلد، وهذه جميعها صيغ متعددة من إجابة كلومار NCND. لكنهم فى النهاية يصنعون ما يريده الرئيس، أو ما تريده المؤسسة العسكرية الحاكمة.

ولا يمكن اليوم “أن نؤكد، ولا أن ننفي” أن النظام الحالي يسعى إلى تصفية الحساب مع ولد عبد العزيز، أو إلى تجديد الطبقة السياسية، كما أننا “لا نستطيع أن نؤكد، ولا أن ننفي”، أي شيء ذي صلة بالعلاقة بين الرئيسين.

تماما مثل وكالة الاستخبارات الأميركية عندما قالت فى أول تغريدة لها على تويتر : “لا يمكن أن نؤكد، ولا أن ننفي، أن هذه أول تغريدة لنا على تويتر.”

لكننا نستطيع أن نؤكد، بما لا يدع مجالا للشك، شيئا واحدا، ألا وهو أن الأمور لا تسير فى صالح أي من الرئيسين عزيز وغزواني؛ فهما يركبان فى سفينة واحدة، ومسلسل الانقلابات الذي تعيشه البلاد منذ 78 لم ينته بعد، إلا أننا نتابع اليوم حلقات جديدة من ذلك المسلسل القديم، منها ما شاهدناه بالفعل، ومنها ما هو قيد الإخراج.

7 – الكوريدا

شاهدنا حلقة من المسلسل الجديد من الانقلابات، فى ملعب “مَـلّـحْ” بأحياء الترحيل، يوم انطلاق حملة الدستور.

العلم الموريتاني، قطعة من القماش، لا ينقصها سوى اللون الأحمر، لتكون صالحة لخديعة الثور، فى لعبة الكوريدا.

 وكان الإخراج يشبه النهاية، على الوقع الحزين لأغنية المأمورية الثالثة : “عزيز الشعب امْعاكْ .. مـــــا مَعقولْ اتفكَّرْ … تمشِ عنَّ فيــاك .. يحكمنَ حد أوخرْ“.

أغنية كان وقعها مخالفا للأجواء الاحتفالية السائدة فى نهاية حكم عزيز.

ولم نفهم حينها إن كان “حَدْ أوْخَرْ” تعني أحمد ولد داداه، أم بيرام، أم غيرهما من الطامحين إلى الحكم.

 وكانت الشحنة العاطفية القوية لحفل التسليم بين عزيز وغزواني – بعد ذلك – تشبه أيضا، أجواء الكوريدا. كانوا يقولون إن ولد عبد العزيز لن يترك السلطة، ما دام على قيد الحياة.

يوم يذكر بيوم انقضاء الفترة الانتقالية، وحفل تسليم السلطة للمدنيين بين ولد محمد فال وولد الشيخ عبد الله. كان من غير المنطقي – آنذاك – أن يغادر الرئيس القصر مشيا على الأقدام والناس ينظرون، فى بلد سمعته مرتبطة بالانقلابات.

شاهدنا الحلقة الثانية من المسلسل الجديد للانقلابات يوم عيد الاستقلال بأكجوجت، فى حفل حضره ولد هيدالة، وولد الشيخ عبد الله، وأحمد ولد داداه، وجلسوا مع مقعد فارغ لولد عبد العزيز، لمشاهدة رجال العسكر، يضربون أرجلهم على وقع الموسيقى العسكرية.

وجاءت التحويلات المفاجئة التي طرأت على قيادة الحرس الرئاسي – فى ذلك الوقت الحرج والحساس – لتحسم الأمر. وإن كان العد التنازلي للنهاية، قد بدأ – قبل ذلك – بالمرسوم الصادر عن الرئاسة، بخصوص المأمورية الثالثة.

كان ولد عبد العزيز مُهابا، وما كان أصحاب الطبول الكبيرة الذين دعموا ولد الغزواني فى الانتخابات الرئاسية، ليدعموه ضد إرادة ولد عبد العزيز، وهو فى السلطة. حتى إنهم الآن، يخافون منه خوف “اللحمة من النار”؛ لديه من الكاريزما: كاريزما الشجاعة والقيادة، وعنصر المفاجأة، ما يجعلهم لا ينامون ملء جفونهم، إلا إذا جعلوه، وراء سبعة قضبان، أو فى المنفى؛ من وراء سبعة بحور.

فعندما يخرج الثور الجريح من حلبة الكوريدا حيا، ينتشر الرعب فى أرجاء المدينة.  

تحقيق اللجنة البرلمانية فى فساد العشرية، سائر فى اتجاه القبض عليه.

إذ لا تعدو كونها غرفة للتعذيب، أو تأديب الخصوم. جهاز مبتكر جديد للتنقيب عن الذهب. يبحثون فى تاريخ ولد عبد العزيز، ينبشون حقائب الأطفال والنساء، يطلبون جوهرة مفقودة، أو قطعة من الماس، تبرر تقييده أو إرساله إلى السجن أو المنفى.

وعند ولد الواقف شيء يحب أن يقوله لعزيز، بشأن “الأرز الفاسد”.

جميع المشمولين فى ملفات العشرية وأنصارهم سيتحولون تلقائيا إلى معارضين للنظام، يبحثون فى حقائبه عن أدلة لإدانته بالفساد، من أجل رد التهمة وإحراج النظام، والتشكيك فى مصداقية العدالة.

8 – الباء

مُرِتانْ أولادُ .. أشبهْ ما ينزادْ … من يوم الِّ عادُ .. هم وُلَاةَ الأمرِ … ظهر الفسادُ .. فى البر والبحر.

الفساد وباء منتشر فى البر والبحر، ولن ينجح أي رئيس أو وزير أو قائد عسكري أن يبرئ نفسه منه، إلا إذا كان فقيرا يلقط البعر. ولن ينجيه ذلك الفقر، ولا تلك التعاسة، من تهمة الفساد ولو زالت عنه أعراضه؛ ولا ينقصة إلا جهاز فحص فعال، كي تقام عليه الحجة الدامغة، ويدان.

فجميع قصور نواكشوط الشمالية – وفق العارفين بسوق العقار – بنيت بعد 78 ، من المال العام.

ولن تنجح اللجنة البرلمانية، ولا المحكمة السامية، فى إدانة أي وزير أو رئيس، ولا فى إقامة الحجة عليه، ما لم تُوحّد قواعد الصرف والنحو المتبعة، ويقال للناس؛ لماذا فلان باؤه تجر، وباء غيره لا تجر؟

والواضح من حال الباء، أنها لا تجر القوي عندنا. وقد هلكت أمم قبلنا كانت إذا سرق منهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإذا سرق منهم الشريف تركوه.

كما أن تسريب الوثائق المؤمنة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، لا يكفي وحده لإدانة الخصوم أمام أي عدالة، ولو كانت عرجاء.

9 – القبيلة

الجيش فى موريتانيا قبيلة مهيمنة على السلطة والمجتمع. وإن قيل إن ذلك غير صحيح، وإن المؤسسة العسكرية : مؤسسة جمهورية تعمل بمقتضيات القانون، وإنها ليست قبيلة – نقول نعم، هي ليست قبيلة فحسب؛ إنما هي أسرة مالكة للسلطة فى موريتانيا، وتتوارثها عبر الأجيال، لكن الأمر يحتاج فقط إلى توضيح.

عندما يبدأ الوزير الأول خطابه للصحافة الرسمية – فى خرجته الإعلامية المخصصة للإعلان عن تخفيف الإجراءات، وفتح النقل بين المدن – يبدأها بشكر القوات المسلحة، وينتهي بشكر القوات المسلحة، فإنه مدرك لتلك الحقيقة. أهمل وتجاهل دور الأحزاب السياسية، والمجتمع المدني، ورجال الأعمال، والصحافة، وقادة الرأي من أئمة وعلماء؛ فتلك قبائل ضعيفة، لا علاقة لها بالقرارات الحاسمة، ولا دور لها فى لعبة الحكم.

القادة العسكريون مدركون لتلك الحقيقة، ويشعرون بالمسؤولية حيال كل شيء متعلق بالأمن والاستقرار. ولذلك لم يدعموا مشروع المأمورية الثالثة، حين رأوا فيه، تهديدا محتملا لذلك الاستقرار.

10 – الهرم

ينظر أبناء قبيلة الجيش إلى أنفسهم، وإلى القبائل الأخرى، وفق تراتبية اجتماعية راسخة فى العقيدة العسكرية. تراتبية تضع الجيش فى قمة الهرم، ثم الدرك، ثم الحرس، ثم الشرطة، ثم الأجهزة الاستخبارية. وتبقى النظرة إلى عناصر أمن الطرق – هؤلاء الدخلاء الجدد – غير مستقرة؛ تتأرجح بين الشرطة، والحرس، والدرك. لكنها لا تصل أبدا، إلى مستوى الجيش، فى التقدير والاحترام.

دفع قطاع الشرطة طيلة فترة ولد عبد العزيز، ثمن تهمة الولاء لولد محمد فال حين ساءت الأمور بينهما، حيث تعرض القطاع للإقصاء، والتهميش، ونقص فى الموارد والصلاحيات، بعد بطاقة التعريف، وجواز السفر، وتنظيم المرور. ولم يتول إدارة الشرطة أي شرطي أو مدني، منذ عهد ولد اميشين إلى اليوم. ويبقى الشرطي ضحية للصورة النمطية السلبية التي ترتسم فى الأذهان؛ إذ يقول له المدنيون : “أنت عسكري تحمل السلاح، ولست منا”، ويقول لهم العسكر “انتم قطاع مدني، ولستم منا”، ويقول له المواطن البسيط : “أنت لا تأتينا إلا يوم العقاب والقمع وتحصيل الضريبة.”، ويبقون فى أسفل ترتيب قوات الأمن.

وزير الداخلية فى النظام العسكري القائم منذ 78، لم تعد لديه صلاحية التدخل فى القطاعات التابعة له؛ فإدارة الحرس أصبحت يقال لها قيادة الأركان، ويتولى أمرها جنرال من الجيش يعينه الرئيس، وهو أكبر من الوزير، ومثلها إدارة الحماية المدنية التي تتولى إطفاء الحرائق. كما أن وزير المالية، لا يملك شيئا من أمره أمام مدير الجمارك، لأن الجيش يعتبر الجمارك بيت مال تابع له، وجزءًا من الكعكة، ولا يعقل أن يتولى تسييره عندهم إلا قائدا فى الجيش أكبر قدرا من الوزير، ولا يتكلم إلا مع الرئيس. وكان من المفترض فى النظام الديمقراطي المدني أن يتولى إداريون مدنيون عاديون، تسيير هذه القطاعات التابعة للحكومة.

الأمر يجر طرفه على المستوى الجهوي، حيث لا يقيم قادة الحرس والجمارك وزنا لتعليمات الإدارة الإقليمية، لأنهم تابعون بالفعل لمن هو أكبر قدرا وأشد نفوذا من الوالي، إذا كان مدنيا تعيسا.

محاسبة المفسدين وحدها لا تكفي للإصلاح، فإعادة هيكلة أجهزة الدولة أولى وأجدى نفعا على المدى البعيد.

وبعد جميع هذه القطاعات يأتي المدنيون التعساء، والمقسمون – فى السياسة – إلى ثلاثة قبائل غارمة هي : النساء، والأقليات العرقية، وأعوان الأمن من المدنيين. وبعد الجميع، يأتي المدنيون الذين لا علاقة لهم بالجيش – ويقال لهم “سيفيل” – فى أسفل السلم الاجتماعي؛ فى الحضيض.

هؤلاء هم أبواق النظام، ولا يكلفون إلا بدور واحد؛ لا يطلب منهم غيره، ألا وهو التصفيق، والتصفيق، ثم التصفيق، والزغاريد، والطبول والخيام، من أجل تأليه القائد، وجعله ربا يعبد، طيلة فترة جلوسه على العرش؛ لا لكونه رئيسا للجمهورية الإسلامية الموريتانية، بل لكونه قائدا أعلى للقوات المسلحة. وتلك رتبة رمزية، لا يستحقها فى أعين أفراد القبيلة، إلا من هو – قادم للتو – من رحم المؤسسة العسكرية. 

هنالك فرق بين الطريقة التي تعامل بها الضباط السامون مع الرئيس المدني المنتخب سيدي ولد الشيخ عبد الله، وتلك التي يعاملون بها الرؤساء السابقين الآخرين الذين خدموا فى الجيش : ولد عبد العزيز، ولد محمد فال، ولد الطايع، ولد هيدالة، ولد أحمد لولي، ولد الولاتي؛ فلديهم اعتبارات أخرى وقيم أخلاقية، يستندون إليها فى التعامل مع الأفراد، داخل وخارج المؤسسة العسكرية.

11 – السيف

أول تلك القيم والعادات هي قيمة احترام السن، والرتبة العسكرية، وكذا الوظيفة التي يقولون إنها تلغي الرتبة، لكنها لا تلغي عامل السن، الذي يحظى بأهمية كبيرة لدى العسكريين.

وهنالك أيضا قيم الفروسية المتمثلة فى الشجاعة، والصرامة، والاستقامة، والأمانة، والصدق، بالإضافة – طبعا – إلى قيمة أساسية يلقنونها للأفراد فى التدريب العسكري بشكل مركز، وهي قيمة التضامن فى ما بينهم؛ إذ يعاقبون جميعا إذا أخطأ أحدهم، ويكافؤون بصفة جماعية، حتى أصبحوا – من حيث الوجدان – جسما واحدا.

وجميع هذه القيم مبنية على قيمة أساسية عليا، هي الطاعة؛ الطاعة المطلقة.

عقيدة تم تطويرها فى المدارس الغربية، كان يتم تطبيقها بحذافيرها وفق مبدإ الطاعة العمياء، قبل أن يُدخل الضباط الذين درسوا فى المشرق آخر الثمانينات، تعديلات جزئية فى العقيدة العسكرية، تلائم قيم المجتمع الإسلامي، فأدخلوا اللغة العربية والمساجد فى الثكنات.

ومن جهة أخرى، فإن تأثير القيم – التي تستند إليها التراتبية الاجتماعية للقبيلة بصفة عامة فى موريتانيا عبر التاريخ – لا يزال حاضرا فى المجتمع. وتلك القيم هي التي يتنازع السيف والقلم فيها على الصدارة؛ تتنازعها الإمارة والمشيخة، تتنازعها البندقية والعمامة، ثم البذلة العسكرية اليوم مع ربطة العنق. وبهذا يكون المجتمع الأميري بطبيعته أقوى تأثيرا فى قبيلة الجيش، من قبيلة التقنوقراط المدنيين، الذين هم إلى مجتمع الزوايا، أقرب فى الأذهان.

الرئيس الموريتاني عسكري يفرض عليه القانون أن يلبس الثوب المدني، ولا بد أن يختار بين البذلة الغربية وربطة العنق أو الدراعة والعمامة.

يتنازعه العسكري والمدني، يقول العسكري : “الرئيس منا”، ويقول المدني : “لا بل منا نحن”، ومرة يقول المدني المعارض “الرئيس ليس منا فهو عسكري”، ويحسم الخلاف دائما بالقوة فى النهاية، لصالح الجيش.

12 – الملحفة

قلنا أيضا إن النساء قبيلة، وإن قبيلتهن من القبائل الضعيفة الغارمة للجيش كالأقليات العرقية، والحركات السياسية.

المتتبعون لقائمة النساء اللائي تولين مناصب سامية فى الدولة، منذ انقلاب 78 إلى اليوم – يقولون إنهن، جميعهن، لا بد أن يكون لديهن، زوج، أو أب، أو أخ، أو ابن، يحمل بذلة عسكرية لأي من بطون قبيلة القوات المسلحة، بغض النظر عن تقاعده وعن رتبته فى السلم العسكري. فذلك شرط لا بد منه، لتحصل النساء على ثقة القبيلة، فى تولي الشأن العام.

13 – الشرق

قلنا إن قبيلة القوات المسلحة، هي الأسرة المالكة للسلطة فى موريتانيا؛ لكننا لا نقول إنها تحكم بمفردها، كما أنها ليست مستقلة فى طريقة ممارستها للحكم. فهي تخضع دائما لإكراهات التبعية للخلافة الغربية فى باريس، وأحيانا لملك الملوك فى واشنطن.

فعندما أظهر ولد هيدالة قليلا من التشبث بقيم المجتمع التقليدي كالشريعة الإسلامية والتعريب – رغم كونه من أبناء سنسير العريقة فى فرنسا – أزاحوه بهدوء لصالح ولد الطايع، أيام لاكاز. 

إكراهات التبعية لفرنسا، توازيها تيارات مناهضة من داخل الجيش، تجر إلى الشرق، عبر الحركات السياسية المؤدلجة فى العراق، وسوريا، وليبيا، ومصر، وأفغانستان، وأنقرة. وربما، يكون إقبال الرئيس الجديد – مثل سلفه – على محور (الإمارات – السعودية)، ناتجا عن إكراهات خارجية؛ لا نعرف مدى ارتباطها بالعواصم الغربية، أو داخليه، لها صلة بالقوى الصاعدة فى الشرق.

14 – الحكم

 لا يوجد رئيس فى العالم، ولا ملك، ولا أمير – مهما كانت قوته ودكتاتوريته – قادر على ممارسة السلطة والحكم بمفرده، فذلك أمر مفروغ منه. الحكم الديمقراطي – الذي يطبل له الغرب – غير قادر على تحصيل، ولا على ضمان، التناوب الفعلي على السلطة، تماما مثل الأحكام التي يقال إنها دكتاتورية أو بوليسية.

أمريكا هي التي تحكم العالم، وأمريكا تحكمها إسرائيل، وليس لأي مستأجر للبيت الأبيض، ولا للشعب الأميركي دخل فى الأمر، سواء كان اسمه اترامب أو أوباما.

 ألمانيا هي مركل، والروس هي بوتن ومدفديف اللذان تجاوزا وحدهما عقدة القائد من السيد؛ تلك العقدة التي عصفت بعلاقة عزيز وغزواني فى لمح البصر، وهي التي كانت سببا فى مأساة هارون الرشيد المريرة مع البرامكة.

 العراق آمنة وموحدة هي صدام، وسوريا فى السلم والحرب الأهلية هي الأسد، ولبنان هي نصر الله، وموريتانيا هي المختار ولد داداه، تحكمها فرنسا، وفرنسا هي ديغول، وتحكمها الآن مارين لوبين وراثة منتزعة من أبيها، تماما مثلما أن أمريكا تحكمها إسرائيل.

انكليترا بعد تشيرشل هي تاتشر، وأمريكا بعد روزفالت هي اترامب، لكنه اليوم – مهما أوتي من قوة وجبروت – لا يملك شيئا من أمره، أمام الباحثين عن هيكل سليمان، تحت المسجد الأقصى فى القدس الشريف.

ولا يكون الرئيس رئيسا حقيقيا إلا إذا ارتبط اسمه ببلاده حتى يكون علما عليها لفترة طويله، كشاه إيران أو الخميني، أو آتاتورك أو أردوكان…

يرتبط اسم المملكة المغربية بالحسن الثاني، والجزائر بابن بله وبومدين، والناس يعرفون أن الحكم فيها للجيش. ويرتبط كفاح الشعب الصحراوي من أجل الاستقلال، بالولي مصطفى السيد.

 مصر جمال عبد الناصر، ولم يستطع أي من السادات، ولا مبارك، ولا السيسي، أن يكون بعده هو مصر، رغم كونهم حكموا سنين طويلة، وفي وضع أفضل. يَنقُصُهم ذلك الكبريت الأحمر الذي يقال له الكاريزما. كاريزما صدام، والخميني، وأتاتورك، والحسن الثاني، وبومدين وبن بلة، ومصطفى السيد، وبورقيبة، وسينغور، وماو اتسي تونك، وديغول، وغاندي، ومنديلا.

15 – الرقعة

الحلقة الثالثة من المسلسل الجديد للانقلابات فى موريتانيا، جاءت مع التعيينات الأخيرة لقيادات أركان الجيوش التي أدخلت لاعبين جددا فى الرقعة، ويحسب لهم ألف حساب، فى تحديد مقتضيات الحكم.

أقوى هذه التعديلات رمزية ودلالة هو تعيين الفريق محمد ولد مكت على قيادة الأركان العامة للجيوش خلفا للفريق برور؛ إذ ينتمي كل منهما – بطبيعته وأسلوبه الخاص – إلى إحدى الطريقتين المؤديتين إلى السلطة. فالأول أقرب إلى المدرسة الطائعية الغزوانية، ويتقاسم الثاني العديد من ميزات المدرسة العزيزية الهيدالية، بحكم تفوقه الدراسي ومساره المهني. ويأتي تعيينه على الحرس بمثابة الجلوس على مقعد البدلاء.

فرنسا لا تحب أمثاله من الضباط الذين لا يستندون إلى مرجعية غربية، وكانت غير مطمئنة تماما على قيادته لأركان الجيوش.

كما أن دخول الجنرال حمادة ولد بيدة فى وسط الميدان بتوليه قيادة القوات الخاصة، يضيف عاملا جديدا فى المعادلة، اعتبارا لحاضنته الاجتماعية القوية، وبحكم وعيه ودرايته بإكراهات التعامل مع العواصم الغربية؛ بالإضافة إلى كونه يعتبر وريثا لوالده الشيخ ولد بيدة الذي كان مرجعية لدى الجيش، فى العدل والاستقامة.

ولد هيدالة كان مزعجا للغرب عندما نفذ الحدود؛ حدود القتل والجلد وقطع يد السارق، جهارا نهارا على رؤوس الأشهاد. وكان ولد عبد العزيز مزعجا، عندما أرسل الجرافات إلى مقر سفارة إسرائيل.

فرنسا لا تريد من يبايعها على أنه ابن عم حر، بل تريد من يبايعها على الولاء بكونه عبدا قنا، لا ابن عم حر.

فرنسا تريد التعادل، وبقاء الأمور على حالها بشأن اللغة الفرنسية. وهي مرتاحة للنتيجة، ما دام الأطفال يتلقون العلوم بـ X و Y بدلا من السين والصاد.

16 – الكرسي

قلنا إن الطريقة التي وصل بها ولد الغزواني إلى الحكم، هي نفس الطريقة التي وصل بها ولد الطايع؛ كلاهما جاء بدعم من فرنسا. ولنا أن نتساءل الآن، بعد عام كامل من جلوسه على كرسي الرئاسة عن الطريقة التي يمارس بها الحكم بشكل فعلي. وإلى أي من هيدالة أو معاوية هي أقرب؟ أم أن ولد الغزواني لديه طريقة جديدة فى الحكم، تبدو توفيقية، هادئة وناعمة؟

ونقول أيضا إن نظام الحكم فى موريتانيا، نظام عسكري بوليسي فى ثياب مدنية.

لم ندخل مع ولد الغزواني فى نظام مختلف عن نظام ولد عبد العزيز، فاللعبة هي هي، مع اختلاف بسيط فى الأدوار. المأمورية الأولى لولد الغزواني لا تعدو كونها – فى الجوهر – مأمورية ثالثة لولد عبد العزيز؛ خرجت من يده فى اللحظة الأخيرة، وسقطت فى يد صديقه. صديق يديرها بأسلوب الطبخ على النار الهادئة.

كان ولد عبد العزيز قد صفَّى – من أجل المأمورية – جميع ديون المأمورية الثانية. صفى قضية بيرام، وولد امخيطير، وصفى العلاقة مع قطر، وقلم أظافر الإسلاميين، وملف الزنوج، والعلاقة مع السنغال بشأن تقاسم الغاز، وترك مسألة اللغة العربية، وديون الشيخ الرضى، لمأموريته الثالثة، على أمل العودة من جديد، بعد استراحة قصيرة خارج القصر الرئاسي.

وعندما جلس ولد الغزواني على الكرسي، وسمع العزف والطبول والزغاريد؛ أعجبه الحال، وقرر البقاء طويلا. أو ربما أراد له ذلك رجال القبيلة، قبيلة الجيش، وهم من قرروا إخراج ولد عبد العزيز من اللعبة، فقد طال عهده بالجيش، وآن له أن يعتزل اللعبة العسكرية فى دوري الأبطال، ويلتحق إن شاء بالدور المدني (سيويل)، إن كان يجيد وضع الكمامة.

لكن الكلام – فى النهاية – عن الجيش، كلام ظني؛ والكلام على الظن محض الكذب. الجيش صندوق أسود، لا يُعرف ما يجري بداخله، والواضح من أمره، أنه هو المالك الفعلي للسلطة، لكننا لا ندري كيف يمارسها على أرض الواقع.

لم يحرك ولد الغزواني – حتى الآن – ساكنا فى قضية اللغة العربية، إلا أنه استقبل ماكرون فى القصر الذي بناه عزيز، وألقى خطابه باللغة الفرنسية، ثأرا لها من اللغة العربية فى قصر البرلمان.

 أما قضية الشيخ الرضى، فتأخذ طريقها إلى الحل – على نار هادئة – بتكليف القضاء بتصفية الديون والممتلكات بشكل قانوني، وفق إجراءات طويلة.

جميع الرؤساء عندما يجلسون على كرسي الرئاسة، يصبحون كالغواني يغرهن الثناء. وعندما يميد بهم الكرسي ويغادرون القصر، يصبحون كالمطلقات والمتقاعدين الجدد، يستقبلون من أمرهم ما استدبروا، يرددون القصص القديمة، نادمين على ما صنعوا، وهم على ما لم يفعلوا أندم.

17 – الطبل

فترة ولد الطايع كانت فترة انحطاط لقبيلة الجيش، حين تحول قادته إلى وجهاء مدنيين، ينزلون إلى أدنى مستويات العمل السياسي، يجمعون بطاقات التعريف بأنفسهم فى الأحياء الشعبية، ويمارسون التزوير الانتخابي فى وضح النهار، مقابل امتيازات مادية مقتطعة من المال العام. ماتت فيهم الروح المعنوية للجيش، حين صاروا أتباعا لأصحاب الطبول الكبيرة من المدنيين “سيويل”.

عانى أبناء القبيلة – تلك الأثناء – من التهميش والحرمان بشكل لا يتصور؛ حتى صار الضباط السامون يخجلون من ركوب الباص حاملين على مناكبهم عددا من النجوم، لا يناسب الوضع المزري الذي هم فيه.

كانوا ضحية لقلق النظام على وجوده فى السلطة؛ حين كان حجم المصالح المترتبة على بقاء الرئيس فى الحكم، ينمو كل يوم ويكبر، إلى حد جعل أصحاب تلك المصالح – فى الخارج والداخل – مستعدين لكل شيء من أجل حمايتها، وحماية أنفسهم.

18 – القسمة

كانت الضربة التي وجهها صالح ولد حننه ورفاقه 2003 إلى قلب النظام – رغم فشل انقلابهم – موجعة وقاتلة، لكنها لم تكن ضربة قاضية. سمعنا يومها صوت المدافع والدبابات فى قيادة الأركان، ترد على أغنية الكتاب فى أثير الإذاعة الوطنية. “عفاك يا معاويه .. يا ال امحيت الأمية ..

كان انقلاب 2003 انتقاما للجيش وقوات الأمن، من المدنيين والتكنوقراط . لكن تلك الضربة، أظهرت انقساما اجتماعيا وسياسيا أكثر عمقا من ذلك فى المجتمع، باعتبارها محاولة لاستعادة الحكم لأبناء المناطق الشرقية من البلاد، والذين هم أكثرية فى الجيش، بعد حرمانهم منه لفترتي ولد هيدالة وولد الطايع، من 79 إلى 2003، وقبلهما فترة ولد داداه الطويلة.

19 – الجهة

أزاح انقلاب 2003 الستار عن انقسام واضح للخارطة السياسية فى موريتانيا – وفق الجهة – إلى شرق وغرب. فى حين، كان الانقسام الذي يخشى منه على الوحدة الوطنية – مدى سنين طويلة – هو انقسام اللون أو اللغة.

أصبحت خارطة الصراع على السلطة واضحة المعالم بين “أهل الشرق” و”أهل الساحل”، وفق تعريف سيد أحمد ولد الأمير فى تحديد الجهات، استنادا إلى كاترين الشيخ؛ القائل إن الخط الفاصل بين الاثنين، هو الخط العمودي القائم من الجنوب إلى الشمال. خط فاصل بين الذين يقولون إن الشمس تطلع من الجهة الشرقية “شرك”، والذين يقولون إنها تطلع من “تل”، بالحفاظ على نفس الترتيب، لكن وفق إزاحة دائرية إلى اليمين، تبلغ 90 درجة.

وجاء توزيع الثروة والموارد بين الجهتين ليزيد الأمور تعقيدا. إذ تتركز كثافة السكان والثروة الحيوانية فى الشرق، بينما تتركز الموارد المعدنية والسمكية فى الغرب. ومع استغلال الغاز سينزاح مركز الثروة فى الغرب إلى الجنوب الذي كانت لديه ثروة المياه والزراعة، إضافة إلى الكثافة السكانية.

كان انقلاب فرسان التغيير2003، انقلابا لأهل الشرق على أهل الساحل، مثل انقلاب 78، وفق خارطة ولد الأمير التي لا تفرق – فى الجهة الغربية – بين الشمال والجنوب.

وقد كشف انقلاب 16 مارس 1981 النقاب عن انقسام ثقافي وسياسي آخر، بين أهل الساحل إلى جنوب وشمال.

20 – الثمرة

حصد ولد الطايع – لأهل الشمال – ثمرة البذرة التي زرعها لأهل “القبلة” أحمد سالم ولد سيد ورفاقه، بانقلاب 16 مارس.

حصد ولد عبد العزيز واعل ولد محمد فال – بعد ذلك لأهل الساحل – أيضا، ثمرة البذرة التي زرعها ولد حننة ورفاقه لأهل الشرق 2003، وترك الأمر أثرا بالغا فى النفوس، لكن الفرحة كانت كبيرة – آنذاك عند أهل الشرق – بسقوط نظام “سيفيل”، وعودة الجيش إلى الحكم على وقع الحماس لأغنية “مَجْلس هَونْ اتوالَ .. عَسكريتُو حيًّة … مجلس للعدالة .. والديمقراطية.” خاصة فى أوساط كنته وأولاد الناصر الذين كانوا يدفعون النصيب الأوفر من ثمن الانقلاب.

كان النظام العسكري طاغيا على المشهد السياسي، أيام انقلاب 16 مارس؛ فجاءت الأحكام قاسية، وتم تنفيذها بسرعة. وكان النظام المدني طاغيا، فى آخر عهد ولد الطايع؛ فجاءت الأحكام خفيفة. أحكام القتل، وتنفيذها، أمر يتطلب قدرة كبيرة، وتصميما قويا، لا تمتلكهما الأنظمة الضعيفة. أم أن ولد الطايع، كان – حينها – قد استفاد من التجارب الماضية، وتخلى عن القسوة فى الحكم؛ فكظم الغيظ، وصان دماء الانقلابيين، وأكرم مثواهم فى السجن.

ويأتي انقلاب ولد الغزواني اليوم على ولد عبد العزيز، بمثابة ثأر لأهل الشرق على أهل الساحل الذين احتفظوا بالسلطة لأطول فترة فى التاريخ الحديث، وهم أقلية فى الجيش. وتلك مفارقة لم نجد لها أي تفسير.

كما أن ولاية لعصابة – فى الجهة الشرقية – هي أكبر منتج للرؤساء : ولد محمد السالك، بوسيف، ولد أحمد لولي، (بنيجاره)، غزواني.

هنالك تشابه فى التضاريس بين ظهري آدرار وتكانت، كما أن لعصابة تعرف بأنها عصابة تكانت، وهذا المحور المتوسط (ظهر آدرار، تكانت، لعصابة شيء يشبه الناقة، ظهرها فى الشمال ورأسها فى الجنوب، وهي المنطقة الجبلية الوسطى التي تنتج الرؤساء.

“ومن لم يرد صعود الجبال .. يعش أبد الدهر بين الحفر”

ولد داداه ترشح من شنقيطي، وولد هيدالة حارب جبهة البوليزاريو فى آدرار، وسكن أطار، وتزوج فيه.

وبقي عزيز وسيدي وحدهما، استثناء للقاعدة.

عزيز وولد محمد فال رجلان من أهل الساحل، يعرفان تسلق جبال آدرار، أما فترة الرئيس المدني، فكانت جزئا من إخراج اللعبة العسكرية التي يتم إنتاجها داخل الثكنات. 

كان وصول ولد هيدالة إلى السلطة – من جهة أخرى – بمثابة انقلاب لأهل الساحل على أهل الشرق، حين كان الحكم فى يد أبناء لعصابة، كما أن التجاذب بين الشمال والجنوب فى منطقة الساحل أدى فى 16 مارس إلى ضربة مماثلة لوقعة 2003. ضربة مؤلمة وقاتلة، مع أنها لم تكن قاضية. لكنها أدخلت نظام هيدالة فى المنطقة الحمراء المنذرة بالنهاية.

21 – العدوى

قلنا إن الانقلابات والانتخابات فى موريتانيا سواء فى تحصيل التناوب السلمي على السلطة. وقلنا أيضا، إن الانقلاب لا ينجح فيها إلا إذا كان سلميا أبيض؛ فمتلازمة اللون الأحمر مؤثرة بقوة فى نجاح الانقلاب. عندما يدخل الانقلاب فى مرحلة التنفيذ، وتسيل قطرة دم واحدة، يصاب الانقلابيون بعمى الألوان وفوبيا اللون الأحمر. يفقدون الصواب، ويفشل الانقلاب. لكنهم ينقلون العدوى إلى الحاكم الذي عندما يصاب بالفيروس، يبدأ العد التنازلي للتداعي والسقوط. 

كان نظام ولد هيدالة بعد 16 مارس، نظاما متداعيا فى المنطقة الحمراء، ينتظر السقوط. وتداعى نظام ولد الطايع، بعد فرسان التغيير. وكان العد التنازلي لسقوط نظام ولد داداه، قد بدأ مع أول رصاصة تطلق فى حرب الصحراء.

أما ولد عبد العزيز، فانتهى أمره يوم رفض الشيوخ تعديل الدستور. كان انقلابهم فاشلا، لكنه أدخل عزيز فى المنطقة الحمراء؛ منطقة التداعي والسقوط.

فترة ولد عبد العزيز، وقبله ولد محمد فال، كانتا فترتين ذهبيتين استعاد فيهما الجيش هيبته وكبرياءه بعد سنين عجاف. وكانت فترة ولد محمد فال فترة ذهبية للعسكريين والمدنيين على حد سواء. كانت فترة المصالحة، وإعادة التأسيس، لولا ما شابها من حديث البطاقة البيضاء، وكذبة البترول، وتصفية الحساب مع أنصار معاوية، وتعديل الدستور من أجل خدعة الترشحات المستقلة، لحرمان ولد داداه من الرئاسة…

 كانت فترة جميلة، لكنها كانت قصيرة.

22 – الأمير

أما اليوم، فنحن نعيش فى أمنية الغاز، ومقبلون على فترة لما تتحدد معالمها بشكل واضح، لكن الاتجاه العام، هو حكم لأهل الشرق، لا يطغى فيه النظام العسكري تماما على النظام المدني، ولا تطغى فيه القيم العسكرية – بالكلية – على القيم المدنية؛ لأن “الرعية على قلب الأمير”، والأمير رجل من فئة الزوايا الذين لا علاقة لهم بالسلاح، ولا بالعقيدة العسكرية.

 قبائل الزوايا فى المناطق الشرقية من موريتانيا، مقسمة بين مجموعتين، إحداهما كانت تحمل السلاح، وتخوض الحروب، والأخرى لا تحمل السلاح، وهي التي ينتمي إليها الرئيس.

دخلنا مع ولد غزواني فى نظام يشبه “المأمورية الثالثة”. نعم، هي مأمورية ثالثة، صنعها ولد عبد العزيز لنفسه، لكنها جاءت من نصيب صديقه وشريكه فى الحكم.

لا يمكن للرئيس الجديد أن يتنكر- بأي حال من الأحوال – للمأموريتين الماضيتين، إذ كان شريكا قويا وضامنا لاستمرارهما، وليس بوسعه أن يغير التاريخ، ويمحو العشرية الماضية بجرة قلم، كما فعل الرؤساء الذين سبقوه؛ فأولئك كانوا يبنون نظاما جديدا، على أنقاض نظام مقلوب.

أصحاب الطبول والمزامير والأقلام المأجورة فى ورطة؛ إن هم أدانوا العشرية، وقالوا إنها سوداء، ينالون من شخص الرئيس، بحكم مشاركته الفاعلة فيها؛ وإن مجدوها، وقعوا فى المحظور.

كلمة من قالها يسقط فى النار، ومن لم يقلها يخش فى النار.

23 – العهد

 لن يتخلص ولد الغزواني بسرعة من عقدة العهد مع ولد عبد العزيز؛ عقدة الطعن فى الخلف للرفيق. الاسم الذي اختاره مستشاروه لبرنامجه الانتخابي “تعهداتي”، أو اختاره هو بنفسه، يذكر دائما بعقدة العهد.

لم يجد عزيز وغزواني من يتضامن معهما فى محنتهما الراهنة، بشأن عقدة العهد، إلا الخليل النحوي فى مقاله تحت عنوان : “عن الوفاء وقيم التداول على الحكم”. مقال ساق لهما فيه أمثلة رائعة فى الوفاء، منها ما حدث بين يوسف بن تاشفين وابن عمه أبو بكر بن عامر فى التناوب السلمي على السلطة، إثر نصيحة امرأة؛ ومنها التناوب بين سنغور وعبدو ديوف فى السنغال، وبين ديغول وجورج بومبيدو فى فرنسا.

 لكن ولد النحوي كان أكثر إنصافا وميلا – فى مقاله ذلك – إلى الرئيس الحالي، حين نصح عزيز بالتنازل عن حقه فى ممارسة السياسة، كي لا يشوش على صديقه الرئيس.

 ولم يجد عزيز حين جلس وحده من يتضامن معه فى السياسة إلا اثنان، هما بيجل ولد هميد، وسيدنا عالي ولد محمد خونه. وكان ولد هميد آخر الأوفياء لعهد ولد الطايع.

والإنصاف يقتضي أن نساوي بين عزيز وغزواني فى مسألة العهد؛ إذ نحن لا نعرف أيهما ظالم، فهما شريكان فى كل شيء منذ الانقلاب على ولد الطايع إلى اليوم، ولم نطلع على بنود الاتفاق بينهما، حتى نعرف أيهما نكث العهد للآخر. لكن عزيز الآن، بعد أن تخلى عنه الجميع، أصبح هو الحلقة الأضعف، وهو إلى الإنصاف أحوج.

كما أن قوة الكاريزما فى المعارضة، لا تقاس بعدد المناصرين، وإنما بالطموح والقدرة على الصمود. ومن السهل على عزيز أن يكون اليوم زعيما للمعارضة. لكنه تلقى أول ضربة سياسية موجعة يوم فجرت زيارته المفاجئة لحزب الاتحاد من أجل الجمهورية، جدلا حادا بشأن المرجعية.

 أما ضمير النسبة فى عبارة “تعهداتي”، فيشير بوضوح إلى ربط المسألة بشخص الرئيس، وتلك عقدة أخرى، يفرضها على القائد نظام التصفيق للقائد الزعيم؛ فلا بد – كي يكون التصفيق حارا، ويكون الرقص جميلا –  ألا يسمع صوت أعلى من صوت الرئيس، وألا يظهر ظل على جدار السلطان أعلى من ظله، وفق فيكتور هيكو فى كتابه “مسيرة التاريخ” La marche des siècles حين كان يصف عقدة السلطان من ذلك القائد الذي عاد منتصرا فى حرب الأندلس “Le Cid” (السيد)، وصار الناس يصفقون له ويحتفون به أكثر من الملك نفسه. إن هو قدمه يقال : “الملك يمشي وراء السيد”، وإن هو أخره يقال إن الملك يأتي مثل الرسول، للإبلاغ عن قدوم السيد.

أخذ “السيد” لنفسه ذلك الكبريت، كبريت السيادة، ولم يترك منه شيئا للملك، ملك إسبانيا، وجعله فى ورطة؛ إن هو عاقبه يقال ملك جائر، وإن هو تركه خطف منه أضواء المجد والسيادة.

“السيد” عندنا هو ذلك الشخص المزعج بتفوقه على الآخرين، بتلك النعم الباهرة التي حباه الله بها دون غيره. تلك النعمة، هي التي كان يقول لها اليونانيون الكاريزما.

هي ذلك الشيء الذي كان عند الكفيه ولد بوسيف، والشيخ سيد المختار الكنتي، والشيخ سيدي، وأحمد ولد الديد، والشيخ ماء العينين، وبكار ولد اسويد احمد، وسيد احمد لحمل عيده، ولحزام ولد معيوف، واغموك.

هل من بين القادة العسكريين المقربين من الرئيس والذين يشاركونه اليوم فى الحكم، من هو أهل ليكون هو السيد ؟

هل من بينهم من لديه كاريزما اسويدات ولد وداد، أو جدو ولد السالك، أو فياه ولد المعيوف، أو بوسيف، أو كادير، أو انيانك، أو هيدالة، أو ولد لكحل ؟ لا ندري.

هل عقدة السيد حاضرة أيضا فى النظام المدني وفي الحكومة ؟ هل من بينهم من لديه كاريزما ولد حرمة، أو ولد عمير، أو ولد عبيد، أو بياكي ؟ لا ندري.

24 – اليد

أغلب القرارات التي اتخذت حتى اليوم تسير فى اتجاه نظام دكتاتوري فردي، بدأت معالمه تتضح من خلال ربط جميع الأمور بشخص الرئيس، بما يتنافى بالكلية مع النظام الجمهوري، نظام المؤسسات.

 نعم. قالوا إن الرئيس أعطى للحكومة جميع الصلاحيات فى تنفيذ مشاريع التنمية والإصلاح، لكنه أعطى بيده اليسرى ما سلبه منها باليمنى. أعطاهم الصلاحيات من جهة، وسلب منهم وسائل التنفيذ من جهة أخرى.

جعل الموارد المعبأة لتنفيذ برنامج “تعهداتي” تابعة للرئاسة، وجميع اللجان المهمة فى الدولة أصبحت تابعة للرئاسة. فأصبح الرئيس والمقربون منه هم من يتولون توزيع المساعدات على الفقراء والمساكين، وعلى الصحافة. وبقيت الأجهزة الحكومية والمؤسسات العامة، جالسة تتفرج على صلاحياتها المسلوبة فى يد مستشارين جدد، لديهم صفر فى كاريزما القيادة والتسيير، وليس لهم من السند القانوني، إلا أنهم يأتون من الرئاسة، أو أنهم امتداد لشخص الرئيس. وهذا لا يحدث أبدا فى الأنظمة التي تطمح أن تكون ديمقراطية.

25 – الكمامة                  

وجدناهم “يَشْبَحونَ” الطبول لبرنامج “تعهداتي”، ولم نجد له – بعد عام كامل – أثرا ملموسا على أرض الواقع، لا يعدو كونه جعجعة بلا طحين. ربما لأنهم قضوا نصف العام فى التحضير والتخطيط، ونصفه الثاني فى مكافحة كورونا، وغسل اليدين ووضع الكمامة.

غسل اليدين من الماضي، ووضع الكمامة والقفازات، كشرطة المباحث، لتطهير المكان، وأخذ البصمات.

كثرت الاعتقالات فى صفوف المدونين، بدون مبرر واضح، وأطلق سراحهم دون محاكمة، وذلك من سمات الدولة البوليسية.

هذه سيدة دخلت السجن وهي مرضعة، فقط لأنها تحدثت فى الخاص عن الفحوص. وهذه أخرى تقال من منصبها لأنها تحدثت فى الخاص أيضا عن كاريزما الوزير. وهذا شاب يضرب عن الطعام، لأنه دخل السجن بسبب تدوينة. وذلك من سمات الضعف لدى الأحكام الاستثنائية التي تسبح عكس التيار.

أطلق ولد الطايع الحريات، وقال للناس : “قولوا ما شئتم، ونحن سوف نصنع ما نشاء”، وقال العسكريون الذين أطاحوا بولد داداه : “تحدثوا عن الجفاف، وعن ويلات الحرب والحزب الواحد، لكن الجيش خط أحمر.”

وقال هيدالة : “ليس لدينا وقت للكلام، ومن تكلم يسجن فى غرفة جكوار، ومن تظاهر يقمع، ومن يخالف الشرع أقمنا عليه حدود الله.”

وقال عزيز : “قولوا ما شئتم، واصنعوا ما تشاءون، وأنا مثلكم سوف أقول ما أشاء، وأصنع ما أشاء.” ويقول ولد الغزواني للناس صفقوا، صفقوا، لكن بهدوء، ولا يتكلم منكم أحد، وانتظروا فأنا ليس عندي ما أقوله لكم فى الوقت الراهن. وأحتاج إلى مزيد من الوقت، لأعرف ما سأفعل.

لا بد للحكم من درة عمر، أو سوط الحجاج، أو سيف زياد ابن أبيه، أو مال هارون الرشيد، أو حلم معاوية، أو عدالة عمر بن عبد العزيز.

 “ولا ينفع الأسْدَ الحياءُ من الطّوى .. ولا تُتقى حتى تكون ضواريا“.

وقد يزداد الوضع تعقيدا، عندما يطالب القادة العسكريون بنصيبهم من الكعكة، وتتشابك المصالح الكبيرة، وتدخل القوى الخارجية على الخط : فرنسا، الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، قطر، تركيا، المغرب، الجزائر، وتقاسم الغاز مع السنغال.

26 – الحكومة

الجيش يُحكم سيطرته التامة على البلاد فى الوقت الراهن. أما البقية الباقية من الصلاحيات لدى الحكومة والتكنوقراط والسياسيين، بعد استحواذ مؤسسة الرئاسة على تسيير مشاريع “تعهداتي”- فتلك جاءت كورونا، ومحقتها أيضا لصالح الجيش.

 جميع الأمور أوكلت للجيش فى الأوضاع الاستثنائية السائدة جراء الجائحة. جُرد وزير الصحة من صلاحياته فى تسيير الأزمة، بعد أن كان يخطف الأضواء فى الإعلام، وشبكات التواصل الاجتماعي، من بقية زملائه فى الحكومة. وكاد أن يقع فى فخ عقدة الملك من السيد، مع رئيس حكومته، وحتى مع الرئيس.

جردت الإدارة الإقليمية فى الداخل من آخر ما كان لديها من سلطات. الوالي والحاكم أصبحا مصلحة بريدية لتوصيل الرسائل، لم يعد لهما دور فى الانتخابات، ولا فى توزيع القطع الأرضية، ولا تنظيم الأسواق والنقل، ولا أي من الأمور التي تهم السكان، كالصحة، والتعليم، والماء والكهرباء.

أمن الحدود، وحظر التجوال، وتقسيم المساعدات النقدية والسلات الغذائية، أمور تحبها الأحكام الاستثنائية. لكنها – فى النهاية – لا تسمن من جوع، ولا تؤمن من خوف.

والدولة البوليسية – وفق نزار – هي ذلك النظام الذي يكون فيه الطير خائفا، من بقية الطيور.

27 – الإنصاف

هذه أحكام انطباعية قاسية على نظام الحكم فى موريتانيا، تأتي فى سياق محدد، لكنها ليست إلا أحكاما ابتدائية؛ فالإنصاف، والواقعية، يقتضيان منا أن ننظر إلى الأمور بشكل أعمق.

النظام الموريتاني، نظام فريد من نوعه؛ له ما له، وعليه ما عليه.

فهؤلاء العسكريون الذين يحكمون البلاد منذ أربعين عاما، حققوا أشياء كبيرة وجميلة. ضمنوا الأمن والاستقرار، وعملوا على بناء مؤسسات دستورية باقية للشعب. يمسكون العصى من المنتصف؛ لم يقعوا فى تعسف الأنظمة الشمولية، ولم ينجروا إلى فوضى الحريات المطلقة.

أفرغوا السجون والمفوضيات، من سجناء الرأي، حققوا تقدما كبيرا فى جميع مرتكزات الديمقراطية : الحرية، والعدالة، والمساواة. ويعملون جاهدين على حل مشكلة الماء، والكهرباء، والمستوصف، والمدرسة، والنقل، والاتصال.

قال ولد محمد فال عندما سئل عن الضمانات التي وضعوها فى المرحلة الانتقالية من أجل التخلي عن السلطة لصالح المدنيين : “رفعنا الجدار عاليا، بحيث لا يمكن لواحد منا تسلقه بسهولة”، وهذا الجدار هو جدار المنظومة الانتخابية التي أصبحت عائقا قويا أمام أي تحول غير دستوري، وذلك الجدار هو الذي ارتطم به ولد عبد العزيز فى حربه على النشيد، والعلم، من أجل ما كان يعتقد أنه المأمورية الثالثة، فآل به المطاف إلى ما هو فيه الآن.

الانتخابات التي يفوز فيها مرشح النظام ليست مزورة، كما يدعي الخاسرون فيها كل مرة.

النظام الانتخابي الموريتاني نظام جيد، ولا تحتاج معه السلطة القائمة إلى تزوير لضمان النتيجة؛ فلديها من أصوات المواطنين الحقيقيين ما يكفي لضمان النسبة المطلوبة. إذ أغلب الموريتانيين لا يؤمنون بالحكم الديمقراطي، ولا يرغبون فى التغيير، ويعطون أصواتهم تلقائيا للنظام القائم، مهما كانت طبيعته.

ولدى النظام أيضا من وسائل الضغط على بقية الناخبين، ما يغنيه عن التزوير، فمرة يستخدمون لعبة الألوان مع الثيران، ومرة يستخدمون العطايا والهبات.

الشعب الموريتاني والمواطن البسيط، لا يريد منهم – فى النهاية – إلا شيئا واحدا، هو ضمان الأمن والاستقرار، وذلك الذي يريده الشعب هو المعيار العادل فى الحكم على النظام. الناس فى بلادنا لا يطلبون من الحاكم صحة، ولا تعليما، ولا حتى لقمة عيش. يريدون منه العافية فقط. يقولون : “العافية، لا يعدلها شيء“.

كما أن الجهات والقبائل لا تخطط للانقلابات، ولا تشارك فيها بشكل منظم، والرؤساء لا ينتمون إلى قبائلهم، إلا بعد وصولهم إلى السلطة، عبر وسائلهم الخاصة. وكل رئيس عندما يأتي، تتبناه القبيلة أو الجهة التي ينتمي إليها؛ ثم تفرض عليه نفسها، ويفرضها عليه المجتمع وسائر القبائل والجهات ما دام فى السلطة؛ يأخذون خيره ولا يجعلونه وطنا. وحين يسقط، يتخلون عنه، ويعلنون براءتهم منه، خوفا من نار السلطان الجديد، لا يطلبون إلا العافية، ولا ينجيهم ذلك التخلي، ولا تلك البراءة، من غضب السلطان.

28 – الكبريت

هنالك سر غامض فى السلطة، لم نجد له تفسيرا. منهم من يقول “الكاريزما”، ولم نجد لها تعريفا قابلا للتطبيق على أرض الواقع، بحيث يمكن من تحديد الشخص الذي لديه الكاريزما من غيره.

يقولون فلان لديه كاريزما، وفلان ليست لديه كاريزما. ولم يقولوا لنا ما هي هذه الكاريزما. وجدناهم يفرقون – أحيانا – بين كاريزما السلطة، وكاريزما المعارضة، وكاريزما القيادة، مع أنواع أخرى من الكاريزما، منها اللون، والجنس، وما زاد ذلك الأمرَ علينا إلا تعقيدا.

يتحدث أهل الفن عن ذلك الكبريت، ويبحث عنه أهل الرياضة. جميع المشاهير فى العالم يبحثون عن ذلك الشيء الغامض الذي يجعل الناس يحجزون لهم مكانا فى القلوب، ويحسبون لهم ألف حساب. الكاريزما فى السياسة هي ذلك الكبريت الأحمر الذي يذكر ولا يرى. منهم من يأخذه بالوراثة، ومنهم من يأخذه بالسلاح أو بالمال أو بالجاه، ومنهم من يأخذه بمجرد الصدفة؛ من غير سبب واضح، هبة من الله.

بي نظير بوتو حصلت عليها بالوراثة، وحصل عليها هيتلر بالخطابة وبالسلاح، وديغول وبونابارت بالشجاعة. وكانت كاريزما أسامة بن لادن هي الأقوى والأكثر إزعاجا للدول والحكومات، فى العصر الحديث.

لم نجد فى موريتانيا أشخاصا لديهم من الكاريزما ما يكفي، ليكونوا مثالا توضيحيا للمسألة، والحكم على شخص بأن لديه كاريزما، حكم انطباعي ذاتي، يختلف اختلافا بيَّنا من شخص لآخر. كما أن مؤشر الكاريزما غير مستقر؛ يصعد ويهبط مثل مؤشرات السوق، وفق عوامل خفية لدى كل شخص.

29 – الثور

يعاني الرؤساء فى موريتانيا دائما – فى نهاية حكمهم – من اضطرابات فى الرؤية؛ يصابون بعمى الألوان، وبالغثيان، وكذا بعقدة الملك من السيد (Le Cid).

وهنالك سر غامض فى اللون الأحمر، يتعلق بجاذبيته الشديدة على الثور فى حالة الغضب، أو عندما يشعر بالخطر على حياته؛ ربما لأن اللون الأحمر، هو لون الدم.

يقول الكاتب الراحل حبيب ولد محفوظ، إن نيرون نجح فى كسب ود الشعب بداية حكمه عندما أعطاه الكوليزى والسرك لإلهائه عن الواقع. ونجح ولد الطايع فى كسب الشعبية حين وهب الانتخابات؛ فصفقوا له، وزغردوا ملء حناجرهم، فطال حكمه.

عندما طلب ولد عبد العزيز تعديل الدستور من أجل إلغاء مجلس الشيوخ، ظننا أنه يريد المأمورية الثالثة، لكنه عندما طلب تغيير النشيد، والعلم، كان ذلك من أعراض الإصابة بفوبيا اللون الأحمر. لأن القماش الذي يخدع لاعبُ الكوريدا به الثور لونه أحمر؛ فينطح الثور قطعة القماش بكامل قوته، وعندها ينتهز اللاعب الفرصة ليطعنه فى الخلف، ويصفق الشعب، وهكذا حتى يرديه قتيلا.

 كان ملوك أسبانيا مولعين بلعبة الكوريدا، يستمتعون بقتل الثور، يرون أنفسهم فيه.

لم نجد من يتعاطف مع الثور المقتول تحت هتاف وتصفيق الجماهير، وأصوات الطبول والمزامير، إلا نزار قباني فى قصيدة الثور :

الثور

برغْمِ النزيف الذي يعتريهِ..

برغمِ السهام الدفينةِ فيهِ..

يظلُّ القتيلُ على ما به..

أجلَّ .. وأكبرَ .. من قاتليه

وعندما صفق الناس للمجلس العسكري، وصبوا جام غضبهم على ولد الطايع، لم يجد من يتضامن معه إلا الكاتب محمد سالم ولد مولود، حين بعث برسالة تضامنية تأبينية إلى صديقه الراحل حبيب ولد محفوظ، Lettre à Habib قال له فيها، إن مسلسل الانقلابات الذي كتب عنه 1991 عاد من جديد، وإن الحروف الأبجدية للغة الفرنسية صارت لا تكفي لأسماء اللجان العسكرية المتتالية : CMRN، CMSN، CMTN، CMUN،CMVN ، CMWN، CMXN،CMYN ، CMZN .

الحرف الأول يعني “اللجنة”، والثاني “العسكرية”، والرابع “الوطنية”، وتلك هي الثوابت. وبقي متغير واحد لوصف اللجنة هو الحرف الثالث.

وإن اللجنة التي جاءت بعده صار اسمها CMJD ، وكان من المفترض أن يكون اسمها CMTN، فجاءوا بالعدالة والديمقراطية بدل الانتقال الوطني  Tansition Nationale الذي خصوا به الحكومة، من أجل التدليس. وكان ذلك يعني أننا كنا مقبلين حينها على سبعة انقلابات متتالية . هذا بدون احتساب الانقلابات الفاشلة، وتلك التي أجهضت قبل الدخول فى طور التنفيذ.

كان انقلاب عزيز على سيدي هو الرابع، وجاء بعد الرسالة إلى حبيب، ويقابله – فى لعبة الحروف والأرقام – حرف U، وتبقى من حروف الفرنسية خمسة هي : V – W – X – Y – Z

لكن عزيز أفسد علينا اللعبة ، عندما أتى بـ HC المجلس الأعلى، بدلا من CMUN.

ولا عبرة فى اللغة الفرنسية للفرق بين اللجنة comité والمجلس conseil، فكلاهما يبدأ بالحرف C.

أما الانقلابات التي جاءت فى ثوب مدني انتخابي مزور أو شفاف، فتلك لم تجد من يدرسها ويحصيها لكثرتها وتداخلها مع الانقلابات العسكرية، حتى إن البقر تشابه علينا، وأصبحنا لا نفرق بين ما هو عسكري منها، وما هو مدني صرف. كما أننا، لا نعرف أي نظام أبجدي يناسبها؛ هل هو : ا ب ت ث، أم : أبجد هوز حطي كلمن صعفض ؟

وإذا جربنا أبُجَدْ مع انقلاب 92 لولد الطايع على ولد داداه، وهَوَزْ مع انقلابه على اشبيه 96، ثم حَطَيْ مع هيدالة 2003، وكلِمنْ لسيدي على داداه 2007، وصعفضْ لعزيز على مسعود 2009، أيام الباء التي قيل إنها تطير، حين تشابه البقر علينا، وأصبحنا لا ندري أيا من مسعود، أو ولد داداه، أو ولد محمد فال، أو بوعماتو، أو زيدان، أو ولد الشيخ عبد الله، أو صالح ولد حنن، أوصار إبراهيما، كان هو الثور الأبيض.

وإذا قابلنا قرست مع عزيز أيضا على بيرام 2014، وثخذ لغزواني على بيرام 2019؛ فإننا لن نجد من أهل أسرار الحروف والأرقام، من يقول لنا من سيكون ظغش 2024.

نتائج الانتخابات بين المعارضة والنظام، بين (داداه، اشبيه، هيدالة، مسعود، بيرام) من جهة، و(معاوية، سيد، عزيز، غزواني) من جهة أخرى، تعطي صورة عن توزيع الألوان فى لعبة الغابة بين ثيران المعارضة وأسود النظام.

وقال ولد مولود أيضا فى رسالته إلى حبيب، إن أصحاب الطبول الكبيرة قتلوا الثور، وجاءوا بثور آخر، لكن الثور لا يستطيع البوح بسر اللون الأحمر، لبقية الثيران، لأنه لن يغادر الحلبة، وهو على قيد الحياة.

30 – الغاز

كنت قد سألت – أياما قليلة بعد اكتشاف الغاز – صديقا لي خبيرا بالشأن السياسي، وهو من أهل النباهة والظرافة. سألته عن اسم الرئيس الذي سيخلف ولد عبد العزيز؛ قال لي إنه سأل صديقا له آخر، قال له ، إنه وجد اسم الرئيس باستخدام خلطة من سر الحرف، لكنه لجأ فيها إلى خلط الحروف الفرنسية بالحسانية هي : “نحن نحب الغاز gaz”، ونعبر عن الحب بكلمة “وني wenni ” ليصبح الحل هو Gazwenni  أي “غاز” + “وني” ويكون اسم الرئيس القادم هو غزواني.

كنا نظنه حينها ولد باية أو ولد محمد لغظف، لكن الخلطة السحرية كانت صادقة.

 واضح أن الخلطة العجيبة هذه تستقيم دون الحاجة إلى اللغة الفرنسية، إلا أن أمور السياسة فى موريتانيا، لا تصلح إلا بها.

خلطة تحتاج إلى تفسير مثل تفسير الأحلام: كان يريد أن يقول إن المخابرات التي يكنى عنها بسر الحرف، حصلت على معلومات مفادها أن فرنسا تنوي دعم ولد الغزواني من أجل الوصول إلى السلطة، وذلك لحماية مصالحها المتعلقة بالغاز، ولو تطلب الأمر تدخلا آخر، مثل تدخلها فى قلب نظام ولد هيدالة.

وهذا التفسير يستند إلى خلطة أخرى، فرنسية صرفة تستخدم المؤنث بدل المذكر : le gaz، la gaz ، la gaze،La Case ، وهو اسم الفرنسي الذي هندس انقلاب معاوية على ولد هيدالة. وفرنسا هي التي دعمت غزواني، حين رأت فيه أنه هو وحده القادر على تسلم السلطة من عزيز، دون الحاجة إلى ضجيج القوة العسكرية.

31 – اللون

تربع مسعود ولد بلخير زمنا طويلا على كبريت اللون الأسود فى المعارضة، وزاحمه عليها بيجل ولد هميد، وعندما ظهر بيرام فى عهد ولد عبد العزيز أخذ منهم السر. فالأولان حاولا إضافة شيء من اللون الأبيض لتلك الكاريزما القوية السوداء، فجاءت كاريزماؤهم زرقاء ضعيفة. وفقدا أيضا جزءا كبيرا من كبريت المعارضة عندما سلكا طريق القرب من النظام. وها هو بيرام يفقدها شيئا فشيئا، بسلوك الطريق نفسه.

فرط مسعود فى رمزية الصمود والمعارضة، عندما قرر دعم مرشح النظام فى الدور الثاني من انتخابات 2007، مقابل منصب رئيس البرلمان. وكان قراره ذلك هو الذي حسم النتيجة فى الدور الثاني.

كاريزما المعارضة شجرة sauvage، تعشق الشمس، ولا تنمو فى قصر السلطان، وأفضل مكان ينمو فيه كبريت الصمود هو السجن أو المنفى. وذلك شيء يعرفه أحمد ولد داداه، الذي تربع على عرش كاريزما المعارضة منذ 92. وربما ذلك هو الذي جعله يختار حزب قوى التقدم ومرشحه ولد مولود، عن الثنائي الحاكم عزيز وغزواني فى الانتخابات الأخيرة.

 يعرف أيضا، أن الكاريزما لدى النفوس الأبية – مثل البياض – قليلة الحمل للدنس. فهو الذي قالت له المعلومة : “انت ال تاريخك أبيض ناصع .. مكتوب أمرصع باذهب … وانت ال فاهم جمع المصالح .. اليوم الـ يبحث عنه الشعب.”

 جرب داوود ولد احمد عيشة كاريزما اللون الأبيض، لكن الصورة جاءت مشوشة، لأن الناس كانوا يرون دائما صورة بيرام وراء ظهره.

عندما نجح أوباما فى الرئاسة، وفشلت هيلاري كلينتون، قال محللون إنه نجح بفضل تحرره من عقدة اللون؛ وخاطب الأمريكيين كرجل أبيض، بينما لم تتجاوز هي عقدة الجنس، وخاطبتهم بكونها امرأة.

32 – القلم

عند نزار معدن الكبريت؛ لديه كاريزما الشاعر، ولديه كاريزما القصيدة، والفرق بينهما كبير.

وعند أحمدو ولد عبد القادر من الفتوة، والحظوة لدى المجتمع، والقبول، ما زاد من شحنة كاريزما الشاعر لديه، وزادت مبادئ النضال فى فلسطين، لديه من كاريزما القصيدة. “في الجماهير تكمن المعجزات” التي ذاع صيتها، وطارت بها الجن إلى فلسطين، ليست هي أجمل قصائده.

 كما أن لجنة التحكيم فى أمير الشعراء، وجدت فى قصيدة “سارق النار” لولد الطالب طعما، لم تذقه فى بقية القصائد.

لم تتمكن أي من الحركات السياسية فى موريتانيا من بناء رمزية تضاهي رمزية سميدع فى النضال.

أما الغناء، فعند أم كلثوم، وفي ذلك السحر الكامن فى صوت فيروز.

وفى غناء سيداتي ولد آب سر غامض، ورثته ابنته ديمي، ونجده اليوم فى صوت أختها كرمي. وفي قصيدة “رفاق الظاعنين متى الورود .. وذياك العذيب وذا جرود” للثنائي سدوم وديمي، عذوبة عجيبة.

كاريزما العلم عند بداه ولد البوصيري، وكان هو الأمير، وعند انَّ ولد الصفي، وحمدا ولد التاه. أما كاريزما عدود فمن النوع الذي يكبر حجمه حتى يتجاوز حدود الوطن، وتسير به الركبان شرقا وغربا، كالذي عند ولد اتلاميد، وأبناء ميابة. كاريزما عدود هي التي يرث اليوم، ابن اخته محمد الحسن ولد الددو، منها نصيبا.

رأينا بيل كيت، مالك مايكروسوفت، يلبس دراعة من “أزبي” للتصوير مع نجل عبد الله ولد بيه، كما أن كتاب ولد صلاحي، حقق نجاحا منقطع النظير، يتجاوز حجم بلاده.

الأطراف المتنازعة فى السودان منحت ثقتها لمحمد الحسن ولد لبات حين آنست فيه، سر القدرة على النجاح، فى توقيع السلام. كما أن الأطراف المتنازعة – قبل ذلك – فى الصومال، منحت ثقتها لأحمدو ولد عبد الله، تحت صوت الرصاص.

سألت ولد لبات عندما كتب مقالا سياسيا عن الوضع السائد أيام الفترة الانتقالية 2006، ولم يذكر فيه ولد الددو من قادة الإسلامين، وكان قد ذكر جميل ولد منصور والمختار ولد محمد موسى، قلت له : أنت لم تذكر ولد الددو، هل نسيته ؟ – قال لي :”لا، لم أنسه، لكن لا أريد أن أُسَيسه”، قلت : “كيف ذلك، وهو المرجعية الأولى للإخوان المسلمين فى موريتانيا ؟ قال : “هو عالم، والعلماء أكبر عندي، وأرفع مقاما، من أن أزج بهم فى أمور السياسة.”

33 – العقدة

عقدة الرئيس من سلفه أو خلفه، لا تتعلق بالأشخاص، وإنما تتعلق بطبيعة السلطة، وتعاقب الأجيال على الممارسة الفعلية لها.

عندما سئل ولد عبد العزيز عن الدور الذي ينوي أن يلعبه بعد مغادرته القصر، قال إنه سيكون مواطنا بسيطا يمارس نشاطه بشكل عادي؛ إلا أن صديقه رئيس. لا يدرك حينها أن المشاعر الطيبة، وقيم الصداقة والوفاء، لا تصمد طويلا أمام الإكراهات الجسيمة للممارسة الفعلية للحكم، رغم كونه جرب الأمر بنفسه مع غيره مرات عديدة. 

جربه مرة مع ولد الطايع، ومع ولد محمد فال مرتين، ومع ولد الشيخ عبد الله مرة أخرى، وفي المجال الخاص مع ولد بوعماتو، وأخيرا مع ولد الغزواني. وكان من المفترض أن يستفيد من الدرس، وأن ينتج مناعة قوية ضد أمراض القصر : عمى الألوان، وعقدة القائد من السيد، وتضخم الأنا، والكوريدا، والسيرك ..

أما سر اللون الأحمر، فهو السر الوحيد الذي لا يستطيع الثور تبليغه لبقية الثيران؛ لأن الثور لا يخرج من الكوريدا حيا، حتى يقول لهم : “ويحكم لا تقربوا تلك الراية الحمراء، فإنها خديعة”.

كما أن ولد الغزواني اليوم، لا يستطيع البوح بسر اللون الأحمر لمن يخلفه، من القادة العسكريين الذين يطمحون للوصول للسلطة – قبل انقضاء “المأمورية الثالثة” التي نحن فيها الآن، لأن خلفه ولد عبد العزيز، لم يكتشف السر، إلا بعد فوات الأوان.

34 – السر

كنا نصلي المغرب مع سيد احمد ولد الخطاط، وهو لمن لا يعرفه كان آية فى الورع، والعلم، والاستقامة، فالتفت إلينا وقال “الله الذي لا إله إلا هو، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير”، من قالها عشر مرات، بعد صلاة المغرب، لا يموت ليلته تلك. وإن قالها بعد صلاة الصبح، لا يموت ذلك النهار.

حديث شريف روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بعدة روايات، هذه إحداها. وذلك علم ظاهر، لا سر فيه.

وعندما كنت بصدد كتابة بحث عن الطرق الصوفية فى موريتانيا، قرأت كتابا عن الشيخ حماه الله باللغة الفرنسية، مأخوذا من رسالة دكتوراه، بدأت أسأل عن هذا الشيء الذي يقال له السر عند أهل التصوف.

وعندما زرت المغرب، وجدت كثيرا من الأماكن والأعلام تحمل أسماء أولياء قدامى : سيد حرازم، وسيد على بن حمدوش، وعبد السلام مشيش، وغيرهم كثير. “مياه سيد حرازم” المعدنية فى مدينة فاس فيها عذوبة خاصة، وسر منسوب إلى ذلك الولي الصالح. وعند اباه ولد عبد الله – صاحب كاريزما العلم والتواضع فى النباغية – شيء من ذلك السر القديم. وسمعت قصيدة رائعة بالشعر الحساني لجمال ولد الحسن، يصف فيها تلك البساطة، وذاك التواضع عند ولد اباه، يقول فيها إن “السر كتات“.

ولا تتفطنولو حتَّ، السر گتات .. والا تمرفگ وحك راصو لا تخرصوه 

والى اسكت وگال كلمات ماهم ياسرات .. نعتولو عن ذاك الگال ما اسمعتوه

وسمعت أيضا، أن سر أهل العاقل هو الولاية و “زين لفَّام”.

وقرأت الكثير من أخبار أولئك الأولياء، فى كتاب الإبريز، عن عبد العزيز الدباغ. وقرأت كتابا آخر عن أبي الحسن الشاذلي.

لكنني بقيت على ظمئي، ولم أفهم معنى السر، خاصة من الناحية الشرعية.

حضَّرت جميع الأسئلة التي كانت لدي عن “السر” وتوجهت إلى الفقيه، فسألته عن السر، فقالي لي : “إفشْ .. إفشْ”. قلت له كيف ذلك، والناس جميعا يستخدمونه ويبحثون عنه ؟ قال لي : “أنا شيخي من أعرف الناس بالسر، وقال لي إنه إفش.”

عبارة إفش، تعني أنه لا يأتيك عند الظن.

 كان جوابه – بالنسبة لي – شافيا، كافيا، مانعا، ولم أسأل أحدا بعد ذلك عن السر، لأنني فهمت أيضا أنه لا ينصحني، ولا ينصح غيري، بالانشغال بالجداول وعلم الأوفاق، لكنه لم يقلها صراحة. وأن السر عند أهل التصوف، لا يتعلق أبدا بالأمور الدنوية.

عندما قرأت قصة الهجوم على طائرة الملك الحسن الثاني، جاء فيها أن الملك قرأ شيئا من السر يجعله لا يموت ذلك اليوم، فتذكرت كلام سيد احمد ولد الخطاط، لعله شيء من ذلك القبيل، يتوارثه ملوك المغرب لحماية أنفسهم.

كانت نجاة الملك يومها معجزة حقيقية حيرت الجميع. كان أمر تلك الطائرة تحديا صارخا، لأعتى قلاع العلم والفلسفة : المبدأ القائل إن نفس الأسباب، تؤدي فى نفس الظروف، إلى نفس النتائج.

أهل الظاهر فى الشريعة لا يبحثون عن السر، ولا يسألون عنه، وأهل الباطن هم أهله، ولديهم فيه مدارس مختلفة؛ يبحثون عن تلك الحكمة التي جاء موسى عليه السلام، يطلبها عند السيد الخضر.

قال الشيخ ماء العينين لأتباعه عندما سألوه عن السر الذي يجعل الناس يتبعونه ويجلونه، قال لهم : “لا شيء إلا التقوى”، وبناء على ذلك يكون التقى هو السر عند الشيخ ماء العينين.

هنالك سر فى جوهرة الكمال وصلاة الفاتح عند أهل الطريقة التيجانية، والشاذليون عندهم حزب البحر، وجدول الدائرة. 

ويكون السر وفق الشيخ محمد المامي، عند من خرج الإيمان من قلبه بالكلية، سحرا؛ وفي قلب من خرج الكفر من قلبه بالكلية، حكمة.

تلك الحكمة، وذلك الاعتبار الذين قال إبراهيم ولد باب ولد الشيخ سيدي، إن المرء يكسبهما بالتأمل فى صروف الدهر، حين زار النوارة بحثا عن السر.

“إن للدهر، إن تأملت صًرفا .. يكسب المرء، حكمة واعتبارا”

“ها أنا اليوم بالنوارة مقيم .. أي عهد بيني وبين النوار”

أما السر عندنا فى السياسة فهو فراسة كاريزمية، لا تستقيم الأمور إلا بها. والمذيعون من أهل “التنمية البشرية”، يملؤون شبكات التواصل الاجتماعي، بالكلام الفارغ حول الموضوع.

35 – الحرف

لدينا جيوش من المثقفين والكتاب العرب، يصدق فيهم قول الجابري عندما زار المدرسة الوطنية للأساتذة فى نواكشوط، مطلع الثمانينات، فى تعليقه على المتدخلين – قال : “إن تدخلات السادة، تذكرني بواقع مؤلم، هو أن المثقف العربي، لا يقرأ ولا يكتب.”

كان صادقا فى مقولته تلك، إلا أن الأديب الراحل جمال ولد الحسن كان من بين المتدخلين، وكان شعلة من المعرفة، قل نظيرها آنذاك فى أوساط الثقافة والفكر، ولا يصدق فيه قول الجابري، بشأن القراءة والكتابة.

نعم، لا يكتبون لأنهم لا يجدون من يقرأ، ولا يقرأون لأنهم لا يجدون ما يستحق – فى أعينهم – القراءة.

كتب ولد ابريد الليل رسالة إلى ماكرون، يحاسبه بشأن الاستعمار و”اللغة الفرنسية فى موريتانيا”، يقول له فيها إن الساحرة الشريرة التي أتت إلينا باللغة الفرنسية، أفعى سامة لا تموت، ولن تموت قبل أن يقطع رأسها، ويدفن فى باطن الأرض، سبع مرات. والذي قاله ولد ابريد الليل بشأن اللغة الفرنسية صحيح، فهو صاحب أقوى كاريزما فى الكتابة، وعندما يكتب سطرا واحدا فى السياسة، يتقاتل عليه الناس، ولا يكتب إلا باللغة الفرنسية، رغم كونه من قادة الحركة البعثية الداعية للعروبة.

لا بد للكتابة فى موريتانيا، أن يكون فيها شيء من سر الحرف الفرنسي؛ شيء من لغة المستعمر، حتى تستحق القراءة فى أعين المثقفين العرب. ولا بد للسياسة، أن يكون فيها، للأليزى نصيب.

حبيب ولد محفوظ كانت لديه كاريزما الكتابة، ولا يكتب أيضا إلا باللغة الفرنسية.

“القهر الحضاري” ترجمة لكتاب أحمد باب ولد أحمد مسكة “lettre aux élites du tiers monde”.

وكان من أقوى الناس كاريزما فى الكتابة، وفي السياسة منذ أيام النهضة، وأيام العمل الديبلوماسي فى نيو يورك، وكان مزعجا – بتلك الكاريزما – لجميع الأنظمة المتعاقبة فى موريتانيا.

36 – آلمودة

هنالك سر غامض فى الحرف الفرنسي، لم نجد له تفسيرا.

العربية فى موريتانيا أمرها عجيب وغريب. لغة رسمية ليست لغة الإدارة، ولا لغة السلطة، ولا أثر لها فى المطاعم، ولا فى البنك المركزي، ولا شركات الاتصال، ولا فى المؤتمرات الكبيرة. أظنهم يريدونها لأخراهم، ولا يتذكرونها إلا فى المسجد وقت دعاء القنوت.

يتهمون المكونة الإفريقية السوداء بالوقوف فى وجه اللغة العربية، “يخلطون البريء منهم بذي الذنب”، وهم الذين صمدوا وحدهم سنين طويلة فى وجه الاستلاب الغربي؛ كان أطفالهم “ألمودات”، يسكنون الكتاتيب، يقتاتون على الصدقات، يحملون ألواحهم فى الشوارع. فى حين، يبيت أبناء البيظان والحراطين فى دور السينما، وفى المركز الثقافي الفرنسي، يشاهدون أفلام الهند، والكوبوي، والمافيا. يتعلمون السرقة، والقتل، يدخنون المالبورو والمخدرات، وهم فى سن التربية.

بناتهم يلعبن فى ساحة المدرسة لعبة الحبل، ويغنين بأصوات بريئة :

Combien d’enfants aura tu .. avant de te marier ? .. un, deux, trois, quatre …

عبارة ذات دلالة سلبية خفيفة باللغة الفرنسية، فى سياق اللعب والفن، لكنها إذا ترجمت إلى اللغة العربية، تكون شيئا آخر.

عندما وجد أحد كبار رجال الأعمال فى السنغال ابنه مع “آلمودات” عند أحد ملتقيات الطرق، ينتظرون الضوء الأحمر، يطلبون الصدقة، ثيابهم رثة، وكان قد أسكنه مع شقيقته الغالية التي يصرف عليها بسخاء.

استشاط غضبا وصفع الطفل، وذهب به مسرعا إلى أخته، قال لها: “كيف تصنعين هذا بابني دون علمي، وأنا لدي من المال والجاه ما يمكن أن أشتري له به نصف داكار ؟

قالت “أنت كلفتني بتربيته، ولا أريده أن يكون فرعون أو قارون مثلك أنت، بل أريده أن يتعلم القرءان، ويتعلم القيم الفاضلة، ويعيش مع أبناء الفقراء والأغنياء فى نفس الظروف، حتى يدرك – وهو صغير – معنى الجوع والعطش، ويحس بالبرد، والحرارة، ويعضه البعوض، من أجل تلك القيم. هؤلاء هم آلمودات الذين أرسلت معهم ابن أخي.

اقتنع بقولها، وترك لها الطفل.

نعم، “العقل السليم فى الجسم السليم”، قاعدة سليمة، لكنها ليست على إطلاقها؛ فأكبر عالم فى الفيزياء والفلك ستيفن هوكينج، يعاني من إعاقة.  قال له الأطباء وهو فى العشرين، إنه لن يعيش أكثر من سنتين، لكنه تزوج، وأنجب ثلاثة أطفال، وعاش 65 سنة حافلة بالإنجازات العلمية، وهو الذي توقع أن أكبر تهديد للبشرية سيكون فيروسا مثل كورونا يتم تعديله جينيا فى مخبر.

 ولدينا بالمقابل، سجون مكتظة بأصحاب الأجسام التي ظاهرها سليم.

هؤلاء الآلمودات عندما كبروا أسسوا مدارس عصرية لتدريس علوم اللغة العربية، وأنساب العرب، والسيرة النبوية، والفقه، لأبناء البيظان، فى مدارس ابن عامر، ومدارس الفلاح…

“آلمودة” مفخرة، والناس ينظرون إليه بازدراء؛ تماما مثلما ينظرون إلى معلم العربية فى المدارس، بُعيد الاستعمار.

“معلم العربية” عندنا هو “آلمودة البيظان”.

37 – الطريق

الطريق للوصول إلى السلطة فى موريتانيا واضحة، وهي أن تكون لديك خبرة وتجربة طويلة فى الجيش، وأن تتقلد وظائف بعينها هي على العموم : إدارة الأمن، أو قيادة الحرس الرئاسي، ثم قيادة الأركان، ثم وزارة الدفاع. ثم عليك أن تلبس الدراعة أو ربطة العنق، وتأخذ قليلا من الزعامة أو ما يسمونه بالكاريزما، هو الذخيرة التي سوف تحتاج إليها لخوض معركة الإخراج والانتخابات، مع عامة الشعب والمدنيين “سيويل”، وأنت لست منهم. يقول لك الطيور : “أنت لست منا.” ويقول لك الوحوش .. “أنت لست منا.”

ولا تنس أن المدنيين – بطبيعتهم – لا يحبون العسكر؛ يتهمونهم بالجهل، وأن صاحب أكبر كاريزما فى العلم هو آنشتاين الذي كان يقول إن العسكر “لا حاجة لهم بالدماغ، لأن السير بخطى منظمة على إيقاع موسيقى عسكرية، لا يحتاج صاحبه إلى تفكير، فالنخاع الشوكي يكفيه.”

ويرد العسكر أن علم آنشتاين، كان سببا فى أسرع دمار عرفته البشرية فى الحرب، حين دمرت أمريكا ناكازاكي وإيروشيما فى اليابان، بالقنبلة الذرية.

ويقول العسكريون فى موريتانيا، إن المرجعية فى العلم هو الشيخ خليل وهو عسكري، وإن “عسكر” فى العراق، هي مدينة الشرف والعلم، ورمزها أبو هلال العسكري.

على جميع المدنيين الطامحين للسلطة أن ينتظروا طويلا، خارج الملعب، إذا لم تكن لديهم تجربة عسكرية. وعلى عيونهم أن لا تتعدى حواجبها، وأن يقتصر الطموح على أدوار هامشية : زعامة أحزاب سياسية، وظائف “سامية”، حقائب وزارية، مقعد فى البرلمان، أو شيء من ذلك القبيل.

لا عبرة لمنصب الوزير الأول فى موريتانيا فى تحصيل الأهلية للوصول إلى السلطة، فالوزير الأول عندنا، ليس رئيسا للحكومة، وإنما هو وزير أول فحسب، رغم أن الأسماء التي راجت فى نهاية المأمورية الثانية، كان من بينها ولد محمد لغظف، وولد ببكر.

رئيس الوزراء الذي يصبح رئيسا، أمر يصلح فى السنغال؛ لأن النظام السياسي فيها نظام مدني بحت، لا دخل فيه للعسكر. لكنه لا يصلح فى موريتانيا لأن الحكم فيها بيد الجيش. قوى المعارضة التي دعمت ولد ببكر أساءت تقدير الموقف، إلا إذا كان الأمر جزءا من الإخراج، أو أنهم – أعني الإسلاميين – أرادوا المشاركة فحسب؛ حتى لا يتركوا فراغا سياسيا فى الساحة أيام الحملة، يحتله الخصوم. أو أنهم أرادوا قياس وزنهم الانتخابي فى حال دعمهم لمرشح خارجي، دون أن يدخلوا فى مواجهة صريحة مع مرشح النظام. إذ كانوا قد حددوا وزنهم الانتخابي فى حال مواجهة النظام بمفردهم، حين رشحوا زعيمهم جميل ولد منصور 2009.

المعارضة مجال حر للمدنيين، يلعبون فيه ويمرحون كيف شاءوا، بشرط عدم الاقتراب من قصر الرئاسة.

38 – الماء

تجمعت قوى المعارضة فى ساحة ابن عباس أيام عز الربيع العربي، وأوهام التغيير. ضربوا الخيام وجاءوا بالطعام والحشود، وقالوا إنهم لن يغادروا حتى يرحل العسكر. كان الناس تلك الليلة متحمسون ويتجولون بحرية، يشربون الشاي، ويعلقون فى المباشر على أثير الإذاعات الحرة، يقولون ما يشاءون فى مكرفون موريتانيد وإذاعة نواكشوط.

كان ذلك انقلاب مدني أبيض على حكم العسكر. لكنه فشل فشلا ذريعا.

كان من بين الزعماء المدنيين أحمد ولد داداه، وجميل ولد منصور، ومحمد ولد مولود.

كان الجو مفعما بالبهجة والحنين إلى داكار، وما قبل داكار ، وإلى الفترة الانتقالية، إذ كان ولد محمد فال حاضرا على منصة القادة، إلى جنب صالح ولد حننة. وهما اللذان لديهما تجربة فى الانقلابات.

كانت قوات الأمن وعناصر أمن الطرق يتجولون فى أرجاء المكان فى سيارت فاخرة، وينظمون المرور بأريحية وانضباط.

سألت صديقا لي جاء لتغطية الاعتصام، عن رأيه فى مآل الأمور، قال لي : “وفق تجربتي الشخصية فى تغطية هذا النوع من الاعتصامات فى البلدان المماثلة، هؤلاء أمرهم هين وبسيط، وإذا جئت هنا فى الصباح الباكر، لن تجد إلا النعال، وقماش الشعارات، والحجارة المكسرة، أما حقائب النساء والهواتف فتلك سوف ستختفي قبل طلوع الفجر.”

وقيل إن الأوامر قد صدرت حينها، بإخلاء الساحة قبل طلوع الفجر من جميع الكائنات الحية، وبأقل تكلفة.

تمت عملية الإخلاء بنجاح وبسرعة فائقة فى الساعات المتأخرة من الليل. انتهزوا فرصة غياب ولد محمد فال، لأنه كان محرجا لهم، بسبب رتبته فى الجيش، ولم يعبأوا بحضور زميلهم الأخر صالح ولد حننه، ربما لعامل السن أو الرتبة العسكرية.

جاءوا بماء طهور، وكلاب أليفة، ثم أخذوا مسيلات دموع من النوع الرديء الذي لا يحدث إلا الفرطقة، وباغتوهم من جميع الجهات، فهربوا تاركين نعالهم، وشعاراتهم المبللة خلفهم، فانتهت قصة الاعتصام، ومطلب الرحيل، ولم يبق منه سوى الاختلاف بشأن طهارة الماء. ولا نستطيع أن نؤكد ولا أن نفي مثل كلومار، أن ذلك الماء الذي صبته قوات الأمن على المتظاهرين كان طهورا صالحا للعادة والعبادة.

علق شيخ كبير من أنصار عزيز، عندما أخبروه بقصة الماء البارد والكلاب والفرطقات : ” هذا ضرب من الهزل واللعب يقال له “المَرّْ” ولا علاقة له بالسياسة والجد؛ هزل يذكر بطلاب المحاظر فى المناسبات الاجتماعية.

مطلب الرحيل مطلب هزلي مدعاة للضحك، ضرب من “المَرّْ” ، والرد عليه لا يكون إلا بـ “المَرّْ” كالرش بالماء البارد والأصوات المزعجة، من أجل السخرية والضحك.”

وعلى المدنيين أن يعرفوا قدرهم، ولا يقتربوا من قصر الرئاسة.

39 – بلقيس

يفرض القانون الموريتاني أن يكون الرئيس مدنيا، ويفرض الواقع أن يكون عسكريا، لأن قادة الجيش لا يثقون فى كفاءة المدني ولا قدرته على حماية البلاد من المخاطر الكبيرة.

والصراع بين النظام المدني والعسكري على الزعامة فى السياسة. صراع قديم، كالصراع بين بني أمية وبني هاشم، والتنافر بينهما قائم وعميق؛ إذ يقول كلاهما للآخر مثل قول اللهبي :

مهلا بني عمنا مهلا موالينا .. لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا”

 الله يعلم أنا لا نحبكمُ .. ولا نلومكم إن لم تحبونا

“كل له نية فى بغض صاحبه .. بنعمة الله، نقلوكم وتقلونا”

يقول المدني : “عودوا إلى ثكناتكم وتفرغوا لحماية الحدود ومكافحة الإرهاب” ، ويرد الجيش بصرامة : “أنتم ثلة من المفسدين، ولا تعرفون إلا السرقة، والنفاق؛ ولن نخلي بينكم وهذا الشعب الضعيف، لتنهبوا خيراته، وتغرقوه فى ويلات الحرب الأهلية، والتفرقة، والفوضى”.

لكن الصراع بين الاثنين محسوم فى موريتانيا بالقوة العسكرية لصالح الجيش، بما هو مخالف لطبيعة الأشياء.

عرش بلقيس العظيم كان قائما على الفصل بين العسكري والسياسي والتكامل بينهما، تكامل المستشار والأمير.

كانت تملك قومها رغم كونهم أولي قوة وبأس شديد، تشاورهم وتخالفهم، لا تتسرع فى اتخاذ قرار الحرب، ويرضون بحكمها رغم كونها امرأة، ليس لها زوج، وتغطي ساقيها بشيء يشبه الملحفة.

لم يتجرأ فرعون مصر رغم جبروته، على سجن موسى أو قتله، قبل أن يقيم عليه الحجة، فلجأ إلى الظهير المدني، وأتى بالسحرة. ولما فشل فى ذلك، قتل السحرة.

40 – حانيناك

لا بد فى الختام، أن نقول شيئا جميلا للرئيس الجديد: الملوك يحبون الغناء. لا بد من شيء يصلح أيضا للرئيس السابق والقادم، شيء يصلح لجميع الرؤساء وأولياء العهد؛ أغنية أو قصيدة.

كرمي بنت أب تغني بصوتها الساحر أغنية رائعة لترقيص مولود جديد اسمه محمد، قالت له فيها إنه إن شبه أباه فى معالي الأمور، فذلك يكفيه. وطمأنت أخته هاجر بأن حب المولود الجديد لن ينقص من حبها هي. وقالت له إن دعوات أمه هند تكفيه إن استجيبت. ونصحته فى النهاية، بتحمل الأثقال من أجل من يحب، لينال مبتغاه فى المجد والسيادة.

حانيناك، حانيناك .. أبعدن ما ريناك

افمعالي لومور .. بوك الخلاك احذاك

امش مشيو والدور .. إبعَّد ذاك امعاك

هاجر عرف عنك .. اغل محمد ذاك

ماه ناكص منك .. واغلاه إزيد اغلاك

لا عت الدور اتسيد .. حامر بوك الخلاك

والَّ لَ كاع اتزيد .. ذاك امل عن ذاك

رب اكريم أعندو .. ذ التبغ وإل طاك

ذ التبغيلك هند .. ذاك ال طاك اكفاك

تم ارفد بالدبر .. أتم ابغ حد ابغاك

ولانك لاه تبر .. ألا لاه إفشك ذاك

لم يرد اسم الوالد فى الأغنية؛ ربما لأن فن اتماري، ترقيص للأبناء على لسان الأمهات، والنساء فى موريتانيا، يتجنبن دائما ذكر أزواجهن بالاسم.

41 – المجذاف

موريتانيا سفينة، ومن السهل أن يتحول قراصنة الحكم فيها إلى قبطان، يجلسون فى قمرة القيادة، يختارون من بينهم الملاح، يغالبون ما تأتي به الرياح ولا تشتهيه السفينة، ركابها من عامة الشعب، يضربون البحر بالمجاذيف، ويلعنون الظلام.

خلاصة الأمر، أن القادة العسكريين فى موريتانيا يتحكمون فى جميع أمور السياسة. البرلمان، والحكومة، والقضاء، والأحزاب السياسية، والعمد، ورؤساء المجالس الجهوية.. هؤلاء جميعهم، لا يزِنون جناح بعوضة، لا فى تحديد مقتضيات الحاضر السياسي فى موريتانيا، ولا فى رسم معالم المستقبل. لا يملكون إلا المجذاف. وليس لديهم ما يكفي من المجاذيف، لتغيير اتجاه السفينة.

لكن أهل السياسة فى النهاية، لا يريدون إلا نصيبهم من السلطة والمال؛ فالبرامج الانتخابية، والأحزاب السياسية، كلام فارغ وكذبة حمراء؛ لا يريدون إلا نصيبهم من الجاه، ليس إلا، ليس إلا..

 وحالة الطقس للخارطة السياسية والثقافية فى موريتانيا الآن:

“رياح معتدلة؛ لا قوية ولا ضعيفة، لا باردة ولا حارة، فيها قليل من الأتربة، وليست فيها زوابع؛ جاءت من الغرب، لا تحتاج السفن فيها إلى بوصلة ولا مجذاف، لأنها تسير بخطى هادئة، والموانئ أمامها كثيرة، تتنور أضواءها من بعيد.”

لكنها فى النهاية، لا تعدو كونها “سفينة يقودها قرصان”.

نبغ نجبر حد ابَالُ .. وإعود اعرفْنِ واعرفتُ

والنَّزَّل عنُّ ش كالُ .. وإنزَّلْ عنِ ش كلتُ.


سيد احمد ولد مولود

نواكشوط، 31 يولي 2020


Profile

سيد احمد ولد مولود

نشر يوم الأربعاء 5 أغسطس 2020

التصنيف: سياسي